|
| ندية ياسين، 29-09-2007 |
|
|
|
| المشرق هو عموما مفهوم غامض تضيع معالمه وسط ضباب متراكم من النوادر الغريبة التي حدثت في أماكن وأزمنة غير محددة ومزجت بين التاريخ والأدب والخيال، ليصبح الشرق وحدة جامدة مستقرة في تربة العصور الوسطى. أي أن الإسلام مسخ تاريخي وعصر مظلم لاينتهي، حقبة ماضية التصقت قسرا بفضاء حديث. |
|
| ففي القرن الثامن عشر كانت الرحلة إلى بلد الحاضر والماضي ممتعة، وكان الحديث عن المشرق موضة لايتقنها سوى رواد نادي هواة الأحاسيس النادرة والاغتراب الشهواني. كان المشرق خارج الزمن، خارج المنطق, داخل الحلم. ولذلك كان المحرومون من زيارة هذه البلدان مضطرين إلى تخيل رحلات وهمية بحيث لم يتردد شاتوبريان مثلا في وصف شرق لم تطأ أرضه أبدا قدماه. |
|
| كان المشرق بالنسبة للروائيين بلدا يمتطي الواقع والخيال في نفس الآن، وكان يكفي إغماض الجفنين للرحيل إليه. |
|
| فعندما كانت فرنسا تحتل الجزائر -هذا المشرق الأقرب إلى الغرب من بعض الدول الغربية- سنة 1830 كان فيكتور هوجو يحلم بأن يصبح سلطانا ذا "حريم" زاخر بالجواري، ويرد على منتقديه الذين أذهلتهم أحلامه الغرائبية الذكورية قائلا: "ليس كاتب هذا الديوان أحد أولئك الذين يعترفون بحق الآخرين في مساءلة الشاعر عن خيالاته، عن اختياره لهذا الموضوع أو ذاك، لهذا اللون أو ذاك، قطفه من هذه الشجرة أو تلك(...) فليس للفن حدود وقيود بل هو يقول لك: اذهب! ويطلقك في حديقة الشعر التي تباح فيها جميع الثمار".(1) |
|
| تم إذن إنشاء شعبة الاستشراق استجابة للفضول العرقي وللانتفاضات الرومانسية لشعب يكتشف مذعورا قوته التكنولوجية المدمرة، ثم اختفت وعُوضت بعد ذلك بشعبة العلم السياسي الذي سيتكفل بتدبير الشؤون المحلية لبلدان المستعمَرة. لم يعد المشرق ذلك البلد الهلامي الذي تلتقي فيه الغربة بالنشوة لإذكاء الإلهام لدى الشعراء بل أصبح فجأة واقعا سياسيا، بل واقعا اقتصاديا، لايمكن أن يتكفل به علم غير دقيق. |
|
| فالنفط أولا ثم الصحوة الإسلامية سيدفعان إلى مراجعة المواقف، وسيظل اسم الشرق متداولا لأسباب أخرى مع إضافة تفاصيل هامة ليس بغرض ضمان استمرارية الحلم بل من أجل خلق الوهم السياسي، إذ لم يعد التدقيق التكتيكي والهم الاستراتيجي ينسجمان مع هلامية الحدود الخيالية للشرق القديم. وهكذا سيقسم الشرق إلى شرق أقصى، وشرق أوسط، وشرق أدنى. وسيمحى المغرب العربي من سجل بلدان المشرق لأنه لايمتلك من النفط ما يكفي لتزويد مصباح علاء الدين. |
|
| فرق تَسُدْ!بدل أن يرفع هذا التقطيع المفهومي للشرق الالتباس, زاد في تعميقه. تفاقم الغموض المحيط بنظرة الغرب إلى الإسلام والمسلمين، وبقي أمر واحد لم يتغير في هذه الثورة المعرفية: أن أوربا هي مركز التاريخ ومحور الجغرافيا.فالشرق الأدنى دان ممن ومم؟من قاذفات الطوماهوك؟والشرق الأوسط أوسط بالنسبة لمن؟ |
|
| ليست هذه الثورة اللغوية الطوبولوجية الجغرافية بؤرة المشكل بل الأمر أدهى من ذلك! إنه استعمار يهاجمك ويقتحم عليك إدراكك للفضاء. فلا موقع للشرق الحقيقي ولا للغرب الحقيقي على وجه الكرة الأرضية إلا حيث يضعهما الفكر الأوحد. |
|
| --------------------------------------------------------------------------------- |
|
| -1 فكتور هوجو: ديوان المشرقيات، المدخل، فلاماريون، باريس 1968. |
|