نظرات وتحليلات
حوار مع نادية ياسين من جماعة العدل والإحسان بالمغرب*
28-11-2006
بالرغم من أنكم لستم حزبا سياسيا تقولون أن الهم السياسي جزء لا يتجزأ من فكر الجماعة. كيف ترون دوركم السياسي وآلية عملكم السياسي؟
جماعة العدل والإحسان جماعة دعوية اجتهادية مهمتها تجديد الفكر الإسلامي، ورهاننا الأساس هو الإنسان، وطريقنا في إعداده التربية الروحية والإعداد الديني الصحيح والاجتهاد الفكري، وتنبيه الشعب إلى أن كل ما قيل له عن الإسلام من قبل إنما هو مجرد قراءة من الحكام لا أكثر ولا أقل، بينما هناك قراءة أخرى نقدمها له. إننا لا نؤمن بالعنف طريقا للتغيير بل بالانخراط في العملية السياسية، ولذلك فإن المراقبين يرون تشابها كبيرا بين منهجنا ومنهج الزعيم الصيني" ماو"، مع الفرق الشاسع بين ما رافق ثورته من عنف وبين منهج جماعة العدل والإحسان التي انخرطت في عمل سياسي شاق في أوساط الشارع المغربي من خلال النظام السياسي الحالي نفسه.
هل تأثرت الأيدلوجية الفكرية وأهداف الجماعة بمشاركة حزب العدالة والتنمية في العمل السياسي والتشريعي وبأدائهم في الانتخابات؟
لم يكن هناك تأثير على الإطلاق على منهج وخطة عمل جماعة العدل والإحسان، لأننا في الحقيقة لم ننطلق في تحقيق أهدافنا من العواطف وإنما من موقف مؤسس على الفكر، وعندما ينخرط أي عضو معنا فهو يوافق مقدما على الأسس والأهداف التي بنيت عليها الجماعة، ويشهد العدد الضخم من الشباب المتعلم المثقف الذي انضم إلى صفوف الجماعة أنها تسير على المنهج السليم. وأكبر دليل توفرنا على الأغلبية الساحقة في الميدان.
أما عن المشاركة فلا يمكن أن نشارك إلا بشروطنا التي لم يحترمها النظام حتى الآن.. فمن غير المنطقي أن ينتحر النظام ويقبل بشروط الجماعة التي تضع تغيير الدستور المغربي على رأس أولوياتها.
ما هي أولويات جماعتكم في مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية؟
بداية يجب أن نفهم معنى الشريعة ونعيد الاجتهاد حول ما تعنيه... فهل هي مجرد لائحة للحدود أم أنها ديناميكية يجب اكتشافها من جديد؟
إن مأساة المسلمين تكمن في فهمهم للشريعة على أنها نصوص جامدة. وللأسف فإن تاريخ المسلمين ونظم الحكم في بلادهم جمدت مفاهيم الشريعة أكثر فأكثر. أما نحن فنعتبر أن الشريعة روح يجب أن نكتشفها بالقلب، ولذلك فالبرامج التربوية الإحسانية التي تنتمي إلى المدرسة الصوفية مهمة جدا. والأهم في هذا المجال هو إعداد الجيل الجديد ليكتسب أدوات الاجتهاد الفكري في جميع المجالات وخاصة المرأة التي ظلمت كثيرا في الاجتهادات السابقة. وفي هذا السياق يؤكد اجتهاد ومنهج المرشد العام للجماعة الأستاذ عبد السلام ياسين أن مأساة المسلمين تكمن في غياب العين النسائية في الاجتهاد أو إن شئنا الدقة في تغييب اجتهاد المرأة وإقصائه تحت ذرائع واهية. ونحن نعيش اليوم نهضة حقيقية للمرأة في صفوفنا، فهي ترجع إلى طلب العلم حتى تكتسب الأدوات الحقيقية للاجتهاد.
ما هي معوقات الاجتهاد من وجهة نظرك؟
باب الاجتهاد مفتوح في الإسلام، إذ ليس لدينا نظام كنسي كما في النصرانية. لكن علينا أن نحدد قنوات لهذا الاجتهاد وأن نؤمن بضرورة الاجتهاد الجماعي من الآن فصاعدا، وأن يتم في ظل برلمان حقيقي ناتج عن اختيار ديمقراطي نابع من إرادة الشعب وليس كالبرلمان الحالي. آنذاك يمكن أن يجتهد رجل العلم ورجل الدين والمرأة وجميع مكونات المجتمع، حيث تتوافق جميع الاجتهادات العلمية والدينية والنظرية حول ما ينفع الناس. الاجتهاد الفردي أصبح مستحيلا من وجهة نظري خصوصا بعد توسع العلوم والتخصصات والمناهج المستحدثة.
ما هي مراكز قوتكم وتواجدكم في المغرب؟
نحن نمثل جميع فئات الشعب المغربي فلدينا المتخصص في علوم الكمبيوتر وصانع الأحذية. لكن أغلبية أعضاء الجماعة هم بالفعل من المثقفين، فلا يمكن أن يحمل برنامجا ورؤية فكرية إلا من كان مؤهلا لذلك. أما على المستوى الاقتصادي فنحن نمثل الطبقة المتوسطة لأن الأغنياء يخشون على ثرواتهم. فأغلبهم(و بالتأكيد) لن ينخرط في جماعة تناهض الاستبداد معرضا أمواله للمصادرة بتلفيق التهم الواهية.
ما هو شكل العلاقة بين النظام والجماعة؟
جماعة العدل والإحسان جماعة معتدلة. ووجودها أحدث توازنا في الساحة المغربية، لعله من حسن حظ النظام بالفعل. فأعضاء الجماعة من الشباب الذين تترواح معدلات أعمارهم بين ثلاثين وخمسة وثلاثين عاما ، يعيشون وضعا اقتصاديا صعبا للغاية، مما يجعل بداخلهم غضبا شديدا قابلا للانفجار. ونحن نؤطر هذا الغضب ونحاول توجيهه إلى العمل السياسي المنظم. فالنظام وإن كان يعتبرنا خصوما له ، فإنه يميزنا جيدا عن التيارات الأخرى التي لا تؤمن إلا بالعنف. ففي أعقاب أحداث الانفجارات التي تعرضت لها مدينة الدار البيضاء تم اعتقال عدد من الشباب وبمجرد اكتشاف أنهم من جماعة العدل والإحسان تم إطلاق سراحهم. والمثير أن بعض المعتقلين من أعضاء الجماعات الأخرى صاروا يدّعون أنهم من جماعة العدل والإحسان، ومع تكرار هذه المسألة بدأت جهات الأمن تمتحنهم في منهج وخط الجماعة.
النظام تعامل معنا ثلاثين عاما ويدرك جيدا أننا جماعة تؤمن بالعمل السياسي الوازن ولا تؤمن بالعنف كما هو شأن بعض الجماعات التي تنعت بالجهادية.
(ملاحظة المحرر: هذه التصريحات أخذت قبل بداية حملة الاعتقالات ضد الجماعة في شهر يونيو الماضي).
ما هو موقفكم من قانون مدونة الأحوال الشخصية؟
نحن أول من طالب برفع القداسة عن المدونة لأننا نرى أن المدونات في جميع البلدان العربية والإسلامية ما هي إلا مرآة للأنظمة الحاكمة. ففي ظل نظام أوتوقراطي وديكتاتوري تعاني الأسرة من نفس الأزمة، حيث الحكم والتحكم والسلطة في يد الرجل. وكأن الأنظمة العربية أرادت أن تريح نفسها من خمسين بالمائة من محكوميها وهم النساء. المدونات أعطت السلطة للرجل باسم الدين وهى ليست من الدين في شيء وإنما هي مجرد تفسير جاء مع الأمويين والعباسيين الذين قاموا بثورة ضد الشريعة الحقيقية التي تعطي المرأة الكثير من الحقوق وتمنحها العديد من السلطات، وبذلك رجعوا إلى الجاهلية الأولى المبنية على النظام القبلي الأبوي والتي حاربها النبي محمد صلى الله عليه وسلم. نظام المدونة يجب أن يذهب إلى غير رجعة ويلقى في مزبلة التاريخ.
جماعة العدل والإحسان كانت من المساهمين المباشرين في تغيير نظام المدونة من خلال معارضتنا له والمطالبة بإلغائه وإعطاء المرأة دورا مهما في ممارسة العمل السياسي. ليس للمرأة مشكلة مع الإسلام وإنما مع نظام الحكم. والدليل أنهم حينما رجعوا إلى الأصول وجدوا حقوقا كثيرة للمرأة في الإسلام وبالتالي فالخيار كان سياسيا بالأساس ولم يكن دينيا.

كيف يمكنكم كجماعة إحداث تغيير دون المشاركة في الانتخابات؟
نحن نمارس مبدأ المناوشات مع النظام ولا أعنى بذلك المواجهة الدموية وإنما نظام الكر والفر على المستوى الرمزي. فنحن نحاول نشر الوعي السياسي والفكري وهذا في حد ذاته إضعاف للنظام ويعد بمثابة سحب للبساط من تحت قدميه، بالإضافة إلى أن جماعة العدل والإحسان تمكنت من نزع الخوف من المجتمع المدني الذي أسسه النظام نفسه لمساندته وأصبح هذا المجتمع خارجا عن طوع النظام. وأضرب لك مثالا: حينما أعلنت أنني مع النظام الجمهوري فقد كنت أدرك أن هناك خمس سنوات من السجن تنتظرني! منذ ذلك الحين تجرأت الصحف على نقد الملك الذي هو مقدس بنص الدستور.
وللإجابة المباشرة عن السؤال أؤكد أن الجماعة لن تشارك في العملية السياسية إلا بعد تغيير الدستور الحالي بآخر حديث يتناسب والعصر الذي نعيش فيه، وإلقاء القديم في مزبلة التاريخ وخصوصا تلك النصوص التي تقدس الملك وتحصر كل السلطات في يديه. نحن نطرح البديل للدستور الحالي من خلال دعوتنا للميثاق الإسلامي الذي على أساسه سيقوم المجتمع المدني الحقيقي بدلا من ذلك الوهمي الذي أنشأه النظام. الأحزاب نفسها أنشأها النظام الحالي المنهار سياسيا والفاشل اقتصاديا. الخيار الوحيد المطروح أمامنا هو المناظرة والتدافع على المستوى الفكري من اجل الحريات والمجتمع المدني الحقيقي.
ما هو النموذج الذي تودون تطبيقه؟
إلى حد كبير، فإن الديمقراطية الغربية هي المثل الذي نود تطبيقه. نحن نؤمن أن مجتمع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كالمجتمع الحالي المعقد، والديمقراطية الغربية طورت أمورا كثيرة تشبه الشورى في الإسلام.
نحن ننادي بالفصل بين السلطات، وببرلمان حر مستقل، واستقلال القضاء والأهم من ذلك كله الاهتمام بإصلاح الإنسان الذي تم إفساده على مدار العقود الفائتة. لذلك بدأنا دعوتنا منذ ثلاثين عاما بهدف إصلاح وإعداد هذا الإنسان المغربي بعد الخراب الذي عشناه في ظل النظام الحالي الذي أفرز الجهل والبطالة والأمية والفقر والغضب والديكتاتورية، فحتى خطب أئمة المساجد تؤكد للمواطن أنه لا شيء وأن الحاكم بيده كل شيء. وما أود التأكيد عليه هو أننا لن نستورد الديمقراطية الغربية حرفيا لأنها تعرف مشاكل كبيرة، وإنما سنأخذ منها ما يمكن أن نستفيد منه وسوف نطوعها بما يتناسب وظروفنا لنتفادى أزمات الديمقراطية الغربية، فكل مجتمع له حضارة تتميز عن المجتمع الآخر.
----------------------------------------------------------------------
*أجرى الحديث كايل ماكنيني لفائدة مؤسسة كارنيجي Carnegie Foundationn
نشر بنشرة الإصلاح العربي عدد يوليو 2006 المجلد 4 العدد 6 والتي تصدر عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
تمت مراجعة الترجمة من طرف هيئة التحرير بعد إشعار مؤسسة كارنيجي.