|
| ندية ياسين، 25 نونبر2007 |
|
|
|
|
| 1. أولا هل يصح الحديث عن نسوانية إسلامية، أي حركات نسائية إسلامية؟ |
|
| إن للمفاهيم تاريخ، ومفهوم "الفمنزم" أو ما يصطلح عليه باللغة العربية ب"النسوانية" هو أحد المفاهيم الغربية التي نشأت في بداية القرن التاسع عشر، إلا أن أفكاره تجد جذورها في عصر النهضة أو ما سمي بعصر الأنوار، وبالتالي فهو يعكس الحمولات الفكرية لتلك الحقبة من التاريخ الغربي التي تهدف إلى تحرير الإنسان الغربي من كل القيود التي تحد من حريته وعلى رأسها الكنيسة/الدين. لقد أمعنت الكنيسة في احتقار المرأة وامتهانها خلال عصور سطوتها، حيث اعتبرتها بلا روح واعتبرتها كالمتاع... فكان من الطبيعي أن تنبني أي حركة لتحرير المرأة في الغرب على تحريرها من الكنيسة/الدين، ففلسفة حركة "الفمنزم" إذا هي اللائكية. أما في العالم الإسلامي فإن مسار تحرير المرأة عرف اتجاها مغايرا تماما لما جرى في الغرب، فالرسول صلى الله عليه وسلم رفع مكانتها وشأنها بعد أن كانت في الجاهلية لا تعد شيئا بل وتوأد، وضمنت لها الشريعة الإسلامية حقوقها كاملة وأسماها حقها في معرفة الله تعالى والتطلع إلى رضاه وتابع الخلفاء الراشدون هذه الدينامية التحريرية للمرأة فخرّجت لنا تلك العصور المرأة العالمة والفقيهة والمحتسبة... إلا أن ما عرفه العالم الإسلامي من انحطاط بعد ذلك، وما رافقه من سد لباب الاجتهاد، وعمل بفقه سد الذرائع انعكس سلبا على وضعية المرأة حيث حبست في البيت ومنعت من أبسط الحقوق التي شرعها لها الدين كحق طلب العلم والذهاب إلى المسجد. إذا فالعملية معكوسة عندنا، انحطت وضعية المرأة عندما ابتعدنا عن الدين، ونحن في جماعة العدل والإحسان نرى أن النهوض بحال المرأة لا يتم إلا بالعودة إلى السنة النبوية الصافية وفتح باب الاجتهاد وإحياء تلك الحركة التحررية التي عرفتها العهود الأولى وهو ما نسميه بالتجديد. نحن لا نصنف أنفسنا في دائرة "النسوانية الإسلامية"، نحن حركة لتحرير الإنسان عموما والمرأة بشكل أخص ولا نعتقد أن "الفمنزم" بفلسفته اللائكية قد ينسجم مع أي حركة إسلامية ترمي إلى تحرير المرأة بالعودة إلى روح السنة النبوية. |
|
|
| 2. ما ذا يميز هذه النسوانية عن الحركات النسائية الأخرى؟ |
|
| أكيد أن المرأة المسلمة عموما في عصرنا الحالي تعيش واقع استضعاف كبير، وتجتهد مجموعة من الفعاليات في العالم الإسلامي، حركات وأفرادا لتجاوز هذا الواقع فأصبح الحديث مؤخرا عن "النسوانية الإسلامية". أنصار هذا التيار يعتبرون أن مفهوم "الفمنزم" ليس حكرا على الغرب، وأنه كحركة، لا يشكل كتلة واحدة منسجمة، فهناك الفمنزم الماركسي، الفمنزم الليبرالي، الفمنزم الراديكالي... فلم لا "فمنزم إسلامي"؟ والذي يغيب عن بعض أنصار هذا التوجه أنه من الصعب تبني مفهوم ما بمعزل عن سياقه التاريخي والظروف التي أنشأته ، وأن تاريخ النسوانية الغربية يختلف تماما كما وضحت سالفا عن السياق التاريخي الذي أنتج استضعاف المرأة عند المسلمين. من هنا فنحن في جماعة العدل والإحسان نعتقد أن أهم ما ينبغي أن يميز أي حركة إسلامية هو يقينها في أن تحرير المرأة لن يتم أبدا في إطار صراع مادي صرف بين الرجال والنساء بل بتبني مشروع تربوي تحريري للمرأة والرجل معا، روحه تطلعهما إلى نيل رضا الله تعالى والسعادة في الآخرة، في إطار تنافس على الخير قوامه الاحترام المتبادل والتكامل في الأدوار، وضامنه إلى جانب عدل الشريعة الضامنة لحقوق المرأة، الخوف من الله تعالى ومن القصاص يوم القيامة إن ظلم أحدهما الآخر أو منعه حقا من الحقوق التي ضمنتها له الشريعة. |
|
|
| 3. ظهرت بعض الفعاليات النسائية تدعي أنها تمثل نسوا نية مسلمة مثل حركات أخوات الإسلام بماليزيا وحركة أمينة ودود التي أثارت كثيرا من الجدل، هل الادعاء بالإسلامية صحيح، وهل ما تنادي به من وجود نظرية النوع في الإسلام والقرآن الكريم صحيح؟ |
|
| إن صعوبة عزل المفهوم عن سياقه التاريخي وحمولته الفكرية كما وضحتها من قبل، جعلت مع الأسف بعض هذه الحركات التي تنتمي إلى تيار "النسوانية الإسلامية" تسقط في مزالق كثيرة من بينها مطالبتها بمساواة جافة لا تراعي خصوصيات كلا الجنسين، والخلط بين مفهومي العدل والمساواة: فما ينبغي أن نصبو إليه أساسا كمسلمين هو عدل يحقق التكامل بين الجنسين دون أن يظلم أحد منهما الآخر ودون أن يهين أحد منهما الآخر، في إطار من المودة والتراحم بينهما. كما يمكن مؤاخذتها على مجانبتها الحكمة في بعض المبادرات التي لم تراع فيها سنة التدرج ولا واقع العقليات الذكورية السائدة في المجتمعات الإسلامية والتي يتطلب تغييرها الانخراط في اجتهاد جماعي يرجع إلى روح السنة النبوية وتشارك فيه المرأة إلى جانب الرجل ويحتاج بالضرورة إلى عقود من التربية.لقد سبق أن راسلت فعاليات هذه الحركة بمناسبة مؤتمر النسوية الإسلامية المنظم ببرشلونة من 27 إلى 29 أكتوبر 2005 وأكدت على ضرورة " الحذر من منزلق السقوط في النسوية التقليدية، الغربية إذن والمادية بالضرورة. لا يجب أن تحركنا الرغبة في الثأر من المجتمع الذكوري، بل الرغبة في تحقيق التكامل بين المرأة والرجل في إطار الولاية التامة التي تجعل من كل واحد منهما عنصرا فاعلا في مجتمع أكثر عدلا وإنسانية وإحسانا: مجتمع الثقة.إن أي تشجيع للنسوية على النهج الغربي سيكون خطأ في التاريخ والمعالم، بل أكثر من ذلك سيكون تعنيفا على مسار تاريخنا وسببا في خلق المزيد من المقاومات وإذكاء المزيد من المفارقات.إن الإلمام بما ينص عليه الإسلام في مجال حقوق المرأة ضرورة ملحة، لكن التسرع في تنزيلها في الوقت الراهن دون تريث سيكون بمثابة انتحار على المستوى الاجتماعي وسيتعرض للذم بشكل منهجي"(2). |
|
|
| 4. تطالب بعض الأصوات بالمساواة التامة في الدخول إلى المسجد من باب واحد والوقوف والصلاة في مكان واحد والإمامة والخطابة بالرجال؟ كيف تنظرين إلى هذه المطالب؟ |
|
| هذه مطالب تدخل في إطار المبادرات غير الحكيمة التي أشرت لها آنفا، هذا لا ينفي أن المرأة اليوم تعاني من حيف كبير في ما يتعلق بحقها في المسجد، إذ هناك العديد من المساجد لا تتوفر على أماكن تصلي فيها النساء، وتلك التي تتوفر عليها، تشمل مساحات ضيقة جدا توحي بأن لا حاجة للنساء لارتياد المساجد... هذه المظاهر وغيرها، تؤكد أننا بحاجة إلى اجتهاد يعيد للمرأة حقها في المسجد، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله). لكننا بحاجة قبل ذلك لاجتهاد يعيد للمسجد دوره الريادي الذي كان عليه في العهد النبوي وعهود الخلافة الراشدة، فالمسجد لم يكن كما هو واقع الحال الآن: مكان يفتح لأداء الصلوات الخمس ويقفل، بل كان برلمانا تؤخذ فيه قرارات الحرب والسلم وتناقش فيه الأمور المصيرية للدولة الإسلامية ويستشار فيه الشعب، وبإدخال المرأة إليه ضمن لها الرسول صلى الله عليه وسلم حقها في المشاركة السياسية. لكن عندما أصبح الناس محكومون بالسيف منذ العصر الأموي وما تلاه، ألغيت أسس سامية في الدين كالشورى وأممت المساجد حتى لا تقوم بدورها الحقيقي في تأطير الناس، وهذا يبين عمق تداخل السياسي بالديني، ويبين أن القضية هي أعمق بكثير من أن تكون مجرد نقاش حول باب دخول المسجد والإمامة والخطابة.هذا لا يعني أن مفهوم الفمنزم أو المقاربة حسب النوع لا ينطويان إلا على السلبيات، أنا أعتقد أنها كتجارب إنسانية فيها الكثير من الإيجابيات وقد أمرنا كمسلمين أن نستفيد من الحكمة البشرية أنى وجدناها. في رأيي يمكننا الاستفادة من إيجابيات هذه التجارب، لكن مع التزام القدر الكافي من الحذر واتخاذ المسافات الضرورية حتى لا نقع في مثل المزالق التي ذكرتها. التغيير الحقيقي لوضعية المرأة لن يتم إلا :- بتمتين علاقتنا بالله عز وجل وإعادة الارتباط بالنصوص الشرعية التي تذكر بمعاني الإحسان وبأولوية حسن الخلق في سلوك المرء إلى ربه وبأهمية حفظ حقوق العباد لنيل رضا الله تعالى وعلى رأسها حقوق أولي القربى وفي مقدمتهم الأم والأخت والزوجة.- وبإحياء الاجتهاد والحرص على إسهام المرأة فيه- وبالعمل أولا على تحرير المجتمعات المسلمة من ربقة استعباد الأنظمة الجبرية التي سلبت حقوق نسائها ورجالها على مدى قرون لأن الاجتهاد لا يمكن أن يتم إلا في مجتمعات ديمقراطية حقة.نحتاج إذن لمجهودات على عدة واجهات: مجهود تربوي روحي ومجهود سياسي تدافعي في آن واحد. هذا التغيير سيحتاج منا طول نفس وحكمة كبيرة والصبر على المقاومات والعقليات والحذر كل الحذر من أن يجرنا الاستعجال إلى السقوط في النسوية التقليدية الغربية المادية الصرفة التي لا تضع في اعتبارها هم المعاد يوم لقاء الله تعالى، يوم توفى كل نفس ما كسبت فيعض الظالم على يده ويقول يا ليتني كنت ترابا. |
|
| --------------------------------------------------------------------------------- |
|
| (1) النص الكامل للحوار الذي أجراه الأستاذ الحسن السرات مع الأستاذة ندية ياسين والذي نشرت مقتطفات منه في مقال: " هل توجد حركة نسائية إسلامية؟ " الذي نشر بالجزيرة نت يوم الجمعة 23 نونبر 2007.(2) http://nadiayassine.net/ar/page/10170.htm |
|
|