ع    Fr    En    Es
الصفحةالرئيسة من هي؟ اتصل بنا  
 
فكر
 مقالات
 مقتطفات
 محاضرات
 استجوابات
 قالوا
 مساهماتكم
الحدث
 الحوار الحدث
 رسالة مفتوحة
 المحاكمة
 صحافة وصحافة
محتويات
  تسجيلات
  صور
  وسائط المحاكمة
مقتطفات
مقياس كاشف*
ندية ياسين، 25-07-2007
مؤشرات عديدة تمكننا من قياس مدى خطورة انحرافاتنا السياسية. فوضع المرأة يمثل شهادة واضحة على هذا الانحراف وانعكاساته على جميع مظاهر حياة المسلمين باعتباره مقياسا حاسما لانحطاط أو تحضر الشعوب. وذاكرتنا المضَللَة تفضل اتخاذ العصر العباسي مَعْلَما لهويتها بدل عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن حكم هارون الرشيد يدغدغ إحساسنا بالانتماء، ويحفز مخيالنا الجماعي. فهذه الحقبة مرتبطة دائما بقصص ألف ليلة وليلة، وهي أيضا مرادفة للبذخ والثراء وزاخرة بالجواري الحسان ومؤامرات البلاط المثيرة. ولذلك تتفق جميع المقررات الدراسية في البلدان الإسلامية على أن عصر هارون الرشيد أزهى حقبة في تاريخ الإسلام.
ومع هذه البذرة الدخيلة تنمو أسوء أنواع المغالطات، وتحدث هذه المقاربة المقلوبة للماضي الإسلامي تشتتا مزدوجا:
-1 فالحكم على تاريخ الإسلام يتم انطلاقا من قيم مادية بحتة، بينما تقبع المبادئ الروحية في زاوية مظلمة من تصورنا، ويصبح السعي الروحي مجرد مغامرة ذات طابع شخصي.
-2 وعلاقاتنا الثقافية والشعورية تخضع لعملية تطبيع متدرج مع حكم يستحق المساءلة عن طبيعته وشرعيته.
وتزداد خطورة هذا التضليل حين يمس بعض القضايا المحورية للأمة الإسلامية مثل وضع المرأة التي كانت أول ضحية لهذا الانحراف.
ففي تاريخ الحضارات المنحطة، كانت المرأة دائما هي كبش الفداء. وفي أرض الإسلام لم تكن وضعيتها بمعزل عن التصور السائد للحكم وابتعاده التدريجي عن الشورى نحو الاستبداد.
لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم لإخراج المرأة من غياهب التاريخ، وإبراز دورها الحقيقي ككائن بشري مستقل ومسؤول ومستعد لتحمل المسؤولية التي يضطلع بها كل من اكتشف أن له مغزى في هذه الحياة. لكن النظام الذي خلف الشورى عكف على محو معالم هذا المجتمع الناشئ الذي كانت المرأة فيه شقيقة الرجل وقرينته في وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وشجع ذهنية استعبادية جعلت منها مجرد سلعة جميلة تباع وتشترى.
وبدل تطبيق التعاليم القرآنية الداعية إلى الإلغاء التدريجي للرق وتحسين وضعية المرأة، عمل الملوك الذين استولوا على الحكم بعد معاوية على تعميق البصمة الفرعونية في هذا المجال.
لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليعالج أمراض الجاهلية التي كانت تتميز بالجهالة والضلالة، لأن جهل الإنسان لأصله ومغزى حياته لابد أن يكون مصحوبا دائما بالعنف الاجتماعي وسيادة قانون الغاب. ولذلك أتى الإسلام لينشئ توازنات جديدة ويدعم قيما أخرى تُدين الاستبداد السياسي أو الاجتماعي. ونظرا لقوة الرابط بين هذين التعبيرين عن الجاهلية، فإنها تُوَلد حركة واضحة تجعل تحرير المرأة من نير التقاليد جزءا من مشروع نضالي شامل يرمي إلى استئصال الأنظمة السياسية العتيقة والمتسلطة.
لقد كان وضع المرأة في جميع المجتمعات الجاهلية تقريبا واحدا، وكان الموقف منها يتراوح بين الانجذاب والتربص، لأنها كانت تعتبر كائنا غامضا يستعصي على الفهم.
كانت تجليات هذا الموقف تتلخص في سلوك واحد هو تشيِيءُ المرأة عند العرب، ولو بدرجة أقل مما كان عليه وضعها عند الرومان والإغريق. كان الرجل يعتبرها ملكا خالصا له، ولا يتردد في دفنها حية عندما يغار عليها.
كانت الفتاة الصغيرة تحت رحمة الأب الذي له الحق في وأدها مخافة العار، دون أن يتعرض لأية محاسبة أو مراجعة. وكانت عدة قبائل غنية تئد نساءها رمزيا لأنها لم تكن تحتاج إلى عملهن الاجتماعي فتحبسهن في البيوت، ولا تدعهن يخرجن منه إلا إلى بيت أزواجهن أو قبورهن.
وهكذا لم تكن حالة أمنا خديجة رضي الله عنها -التي كانت امرأة حرة وسيدة نفسها، والتي كانت أول سند لرسول الله صلى الله عليه وسلم- معتادة في المجتمع القرشي الراقي الذي كانت تنتمي إليه. ولحكمة يعلمها الله عز وجل اختار القدر خديجة لتكون نموذج المرأة التي يريدها الإسلام: فاعلا مؤثرا في التاريخ، وليس ذلك الشيء الذي كان الملوك "الخلفاء" يكدسون به حريمهم.
لحكمة أيضا سميت سنة وفاة خديجة رضي الله عنها "عام الحزن" بالنسبة لجميع المسلمين في زمن لم يكونوا -كما صرح سيدنا عمر- َيعُدون المرأة "شيئا". وعمر هذا هو الذي وأد بنته قبل إسلامه والذي كانت النساء تَهَبْنَه وتختبئن منه خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم. عمر هذا هو الذي أسند وظيفة الحسْبة بالمدينة إلى امرأة اسمها الشفاء.
لقد كان هذا التحول ثمرة تربية الرسول صلى الله عليه وسلم الذي نجح في إخراج الرجال تدريجيا من سجن رذائلهم وعاداتهم الفاسدة، وتخليصهم من سلطان أهوائهم التي كانت تتحكم في مجتمع لا يعترف بالضعيف، ولا تدع له خيارا آخر سوى الخضوع أو اللجوء إلى سبل ملتوية يخطها الحقد والخديعة.
هكذا كانت الجاهلية تعني -إضافة إلى جهل مغزى الحياة- هذا المجتمع القائم على التحقير والتعنيف المتفاقمين بفعل العوز والفقر، مجتمع يسحق فيه الرجل المرأةَ، والقبيلةُ القبيلةَ، والإنسانُ الإنسانَ. مجتمع شعاره الهمجية المتجذرة. مجتمع جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليخلص أفراده بالمحبة، ويحررهم من حلقة العنف والأنانية، متدرجا بهم برفق وأناة .
كان الرفق لازما لأن وضع المرأة عند العرب كان حرجا، ولذلك شكل أمرُ الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بترك النساء يذهبن إلى المسجد خرقا للعرف السائد آنذاك. لكن حرصهم على طاعته ولد حركية اجتماعية قوية مكنت المرأة من التحرر والارتقاء من وضع الشيء الذي يُمْتَلك إلى وضع المواطنة الفاعلة المؤثرة.
وبما أن المسجد كان القلب النابض للأمة الناهضة ومكان اجتماعاتها وتشاورها إضافة إلى كونه معبدا لها، كان لأمر الرسول الأعظم هذا الأثر البليغ في تشكيل وعيها ونظرتها إلى المرأة. إذ أنه بذلك ولج بها إلى الحقل الاجتماعي الذي كان حكرا على الرجال من الباب الأوسع، لأن هذا الحقل الذي كان مسكونا بالحرب والتجارة، مع ما كان يستتبع ذلك من انعدام للأمن، أصبح الآن فضاءا للثقة المتبادلة، ومجالا تُمَثل المرأة أحد طرفيه المتساويين والمتكاملين.
بذلك كان حض المرأة على حضور الصلوات في المسجد عربونا للمساواة أمام ربها لتقبل عليه سبحانه في بيته كما يقبل الرجال. بذلك لم تعد المرأة تحتل الفضاء العمومي والزمني الذي كان حكرا على الرجل فقط، بل أصبحت ضيفا على الله في فضاء يقدسه المسلمون، بل إنها كانت تحضر صلاتي العشاء والصبح رغم أن ذلك كان يزعج بعض الصحابة نظرا لما كان يشكله من حرج في مجتمع حساس جدا نحو كل ما يمكن أن يمس بالشرف.
---------------------------------------------------------------------------
* مقتطف من كتاب "اركب معنا"