|
| ندية ياسين، 22-06-2007 |
|
|
|
| يؤكد زيد بن علي الوزير أن من بين العوامل الأخرى التي مكنت الاستبداد من إحكام قبضته على الناس على امتداد كل هذه القرون كان التمجيد المفرط لعصر الخلفاء الراشدين. ففي فقرة عنونها ب"النموذج المستحيل" يوضح قائلا:"هذا التصور خلق حالة ذهنية تتقبل وضع الخلافة الراشدة مثالا لا يتكرر، وتتعامل معها تعاملا مع المثال المستحيل، ومن البديهي أن يكون البديل تلقائيا -نتيجة لهذا التصور- هو إيجاد مثال غير مستحيل هو هذا البديل الممكن: أي الواقع الأموي وما تلاه من أنماط". |
|
| وهكذا جعلنا حب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى فيهم رجالا خارقين لايخطئون أبدا، ولا يمكن بلوغ مرتبتهم الإيمانية أو مجاراة ممارستهم العادلة للحكم. وأصبحنا نعتبر كل قرار لهم فعلا مقدسا ووحيا إلهيا بعيدا عن متناول المسلمين اللاحقين. والواقع أن محبة وتوقير الصحابة الكرام جزء لايتجزأ من عقيدتنا، لكن تقديس أفعالهم وحركاتهم وإغفال طبيعتهم البشرية يمنعنا من التقدم إلى الأمام. |
|
| إن هذه الذهنية التقديسية تناقض ماربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، فهي تشجع الطغاة وتساهم في تطبيع واقعنا السياسي الذي يجعل الجميع يؤمنون بأن للواحد الحق في تقرير مصير الجميع. فباسم هذا التقديس قمنا بشَرعَنة تجاوزات "الحكم الفردي" وسهُل على العبقرية الأموية أن تستغل هذا المنطق المقلوب، وتسارع إلى تقديم "نموذج ممكن" وواقعي بدل "النموذج المستحيل" الذي مثله الخلفاء الراشدون المهديون، إذ لايمكن للجميع أن يتخذ الفضيلة أسلوبا للحكم، لكن كل أمير قادر على الحكم بواسطة الأساليب التي يبتكرها النظام الحاكم: العنف والمكر. |
|
| لكن هذا الطرح لايسلم من الثغرات التي سرعان ماتبدو لكل ذي نظر. أولها أنه لايمنح لرسولنا صلى الله عليه وسلم المكانة التي يستحقها، فرسالته وبعثته وحياته كانت وستبقى المصدر الذي يستمد منه كل مسلم مهما بلغ مركزه، ولايمكن لأي صحابي، ولا لأي فرد من الأمة، أن يدعي القداسة إلا بقدر مايرتبط بمنبع الرحمة الذي تمثله رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم. |
|
| والنتيجة الثانية التي ترتبط بكون السلطة الروحية للرسول صلى الله عليه وسلم لم تنته بوفاته هي أن كل فرد من أمته قادر على أن يكتسب الطهر الروحي شريطة أن يتبع سبيله، بل إن الذين آمنوا به ولم يروه يحْظَون بامتياز لم يكن لمن كانوا معه، فقد سماهم صلى الله عليه وسلم إخواَنه.ثُم إن هذه النظرة المثالية لزمن الخلافة الراشدة تقوم على تأويل سيئ لطبيعة المجتمع الذي أنشأه الرسول صلى الله عليه وسلم. فقد كانت تعاليمه تتضمن إرثا عظيما روحُه التكافل والانصهار في الجماعة، وفعاليتُه الوحدة والتآلف. ولذلك لم تكن الخلافة تعبيرا عن الفردانية، بل كانت تجسيدا لاختيار جماعي صائب يحركه وعي جماعي راسخ. |
|
| --------------------------------------------------------------------------- |
|
| مقتطف من كتاب "اركب معنا"-1 ابن علي الوزير، ص29. |
|
|