ع    Fr    En    Es
الصفحةالرئيسة من هي؟ اتصل بنا  
 
فكر
 مقالات
 مقتطفات
 محاضرات
 استجوابات
 قالوا
 مساهماتكم
الحدث
 الحوار الحدث
 رسالة مفتوحة
 المحاكمة
 صحافة وصحافة
محتويات
  تسجيلات
  صور
  وسائط المحاكمة
مقتطفات
في بلاد المآسي (3/3)*
ندية ياسين 16-09-2006
نكسة قاسية
لكن هذه المسيرة المزدهرة للمرأة التي دشنها رسول الله صلى الله عليه وسلم سرعان ما توقفت باستيلاء معاوية على الحكم، لا يمنعنا الاحترام الواجب للصحابة الكرام من النقد القوي. ليس النقد مُرادفاً بالضرورة للحقد في إدراكنا المسلم للعالم، حيث نرى جانبا من القدر في كل فعل مضى وانتهى. حرية الاختيار والإرادة مشروطة بالآن وممكنة ما دام هناك مستقبل. في الماضي لا نتحدث إلا عن القدر.
العينات الأخيرة لهذه المرأة الراشدة والمسؤولة لم تتردد في انتقاد معاوية أمام الملأ وبكل قوة. بعد ذلك بدأ تقهقر المرأة المسلمة، وبدأ الاستناد إلى تأويل أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لتدعيم موقف الحَجْر والتضييق عليها. ألم يقل صلى الله عليه وسلم: "اتقوا فتنة النساء؟" ونسي معظم المسلمين السنة النبوية التي دافعت عن النساء ومنحتهن حقوقهن الطبيعية، لأنهم غفلوا عن جوهر الرسالة القرآنية ونظروا إلى الدين نظرة تبعيضية، رغم بعض المنصفين من أمثال الإمام الغزالي في عصره، ويوسف القرضاوي أو الكبيسي في زماننا هذا.
وهكذا لم يتحدد وضع المرأة بعيدا عن هذا التوجه العميق فقط، بل عانى أيضا أهواء الأمراء الذين رسخوا أعرافا فاسدة، وأسسوا ممارسات مناقضة تماما للرسالة القرآنية. وبذلك تكون أطروحة زكية داود أن تاريخ وضع المرأة المسلمة سياسي أساسا صائبة تماما، فقد "عانت النساء من الأنظمة المتسلطة التي استغلت نفوذها لإحكام قبضتها وتأمين استمراريتها. ففي ثنايا السرايا تتجسد نزوات الطغاة، وتقاس وتيرة تكوين وإعادة تكوين السيرورات الاجتماعية. ولذلك تشكل المشاكل التي تفرض اليوم نفسها عليها جزءا لا يتجزأ من احتجاج المجتمعات المدنية على الأنظمة".
لقد تجاهل الأمراء الغارقون في حمأة الحكم الفاسد المفسد تعاليم القرآن الرامية إلى تحرير الإنسان من قيوده المادية والمعنوية. فمع الفتوحات المتتالية كانت تتقاطر على بلاطاتهم قوافل من السبايا الحسناوات التي أحيت لديهم غرائز التملك العربية. وكان الإسلام يدعو إلى الاحتفاظ بأسرى الحرب في البيوت ليعاشروا المسلمين ويتعرفوا على ما تمنحه حياتهم من توازن نفساني، وعلى ما تقدمه من أجوبة للأسئلة الوجودية الملحة. كان الهدف من ذلك أن يُلقنوا أصول الحياة القائمة على التوازن بين الروحي والزمني، بين التسامي والعيش اليومي، ليتم عتقهم بعد ذلك ويرجعوا إلى أقوامهم مبشرين بهذا الدين السمح.
لكن الاسترقاق أصبح أصلا يُمَكن الداعين إليه من استغلال أنوثة لا يعترف بها للمرأة العربية التي كانت تمثل رمزا لكرامة مستعصية متمنعة. وشيئا فشيئا، تغلغلت أعراف البلاط في المجتمع المسلم، خاصة في المدن التي لم تتمكن بسهولة من تجاوز التصور الذكوري للأرستقراطية العربية.
حقا كان وضع المرأة يختلف من بلد لآخر، من البادية إلى المدينة، من منطقة إلى أخرى. لكن الثقافة المهيمنة كانت ثقافة المرأة المُشَيأة التي سرعان ما رمي بها في خدور التاريخ. وتحققت قولة ابن خلدون: "الناس على دين ملوكهم"، فأصبح دين الانقياد دين مجتمع تَشَرب هذه الثقافة المعادية للمرأة التي كانت تستنسخ عادات جاهلية تظنها من صميم الإسلام.
انزلاقات
يقف علم الدلالة ليشهد على هذا الانحراف الذي ينشأ في السرايا وينتهي إلى البيوت. ونختار مصطلح "الولي" -المترجم خطأ بوصي-كمثال على هذا الانزلاق الدلالي الذي يعكس انزلاقات أخرى في العقيدة والحكم والمجتمع. فمصطلح "ولي" يثير بحق الفزع في قلوب النسوانيات في أرض الإسلام. لكن الحقيقة الأولى لهذه الكلمة يمكن أن توفق بينهن وبين هذا المصطلح المليء رقة الحامل لباس أيامنا الحالية. "ولي" في الأصل يدل على الصاحب أو المعين لأننا لا يمكن أن نفسر الآية الكريمة: (الله ولي الذين آمنوا) (سورة البقرة،257) بأن "الله هو الوصي" بل أن "الله هو معين المؤمنين". كما لا يمكن أن نفسر الآية الجليلة: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)(سورة التوبة،71) بأن "المؤمنين والمؤمنات بعضهم أوصياء على بعض".
لذلك اعتبر معظم الأمة أن وظيفة الولي هي حماية المرأة و ليس إهانتها أو اعتبارها مجرد قاصرة. ورأوا في الزواج تعبيرا عن روابط اجتماعية تعني أسرتين وليس فقط علاقة ثنائية بين شخصين. لم يلتفتوا إلى حديث هام جدا أمر فيه صلى الله عليه وسلم باستشارة النساء في نكاح بناتهن. وإذا علمنا أن قرار الفتاة حاسم في هذه القضية، أدركنا حرص الإسلام على أن يكون الزواج رابطا يوثق الصلات الاجتماعية، وينشئ حركية يساهم فيها جميع أفراد الأسرتين المتصاهرتين، وأدركنا أيضا مدى بعدنا في حياتنا العملية عن هذا الخط الذي يعتبر الأسرة محضنا يحمي المرأة -الأم والبنت- بدل أن تكون سجنا يخنق أنفاسها.
لماذا انحرف هذا المفهوم عن قصده؟
لم يكن الانزياح الدلالي للولي العضد الحامي إلى الولي الوصي الرقيب انزياحا بريئا، بل جاء ملازما للانزلاق السياسي والاجتماعي الذي وصَلَ ما كان قد انقطع مع أشد التقاليد الأبوية قساوة. فالتاريخ لا يتبع مسارا خطيا بل يستدير ويتقهقر أحيانا كثيرة. ولذلك سرعان ما تخلى العالم العربي الإسلامي عن إدماج المرأة في الحياة الاجتماعية واسترجع غيرته المَرَضية على الأنثى، بعد أن قررت الطبقة الحاكمة المتحكمة حبس المرأة من جديد.
تحول الولي الذي كان من المفروض أن يحمي المرأة ويحفظ توازن هذه العلاقة التي يحظى فيها البعد النفساني بأهمية بالغة، تحول الولي الذي كانت وظيفته الأصلية أن يكون سَنَدا أخلاقيا عند حدوث أي خلاف بين طرفي عقد النكاح جلادا للمرأة، وجلاد آخر هو زوجها، ليتأسس بذلك حلف موضوعي بين الذكور عم جميع عصور ما بعد الخلافة وجميع الأوساط الاجتماعية. قام إذن عقد ضمني بين الوصي والزوج وَثقت عراه الظروف الاقتصادية المتفاقمة. فقد كانت المرأة بالنسبة لذكور أسرتها عبئا ينبغي التخلص منه وبيعه للزوج. لم يكن الولي يهتم كثيرا بمعاناة قريبته، بل كان يتجاهل هذه المعاناة ويحرص على أن يبقى العبء عند الزوج. وفي خضم هذه المتاهة القانونية التاريخية الاقتصادية، كانت الأنثى تحت طائلة العنف الذكوري الذي يعكس عنفا آخر يتنزل من أعلى الهرم المجتمعي، وعنفا ثالثا يغلي في القلوب التي يتبخر فيها الإيمان.
وهكذا ضاقت حلقة العنف البدني أو المعنوي شيئا فشيئا على الضحية التقليدية للمجتمعات المنحطة: المرأة. وانتقل الضغط الآتي من قبل حكم مشوه عنيف إلى البيوت بتشوه أعمق للعلاقة الزوجية التي جعلها القرآن الكريم مودة ورحمة. وتلك هي فتنة النساء التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فتنة المرأة التي لم نستطع حمايتها والتي نحرص على حمايتها فنخنقها.
لقد اضطر أئمتنا حين دهمتهم الفتنة الكبرى إلى إقرار مبدأ "سد الذريعة" كما تضطر الدولة إلى إعلان حالة الطوارئ عند مواجهة الحرب، لأنهم كانوا يحرصون على مصير الأمة، وكانوا يبحثون عن حل لهذه الأزمة الحقيقية. لكن حالة الطوارئ أصبحت وضعا دائما، وألقيت الحقوق التي منحها النبي صلى لله عليه وسلم للنساء في سلة التاريخ الذي تابع انهياره الحثيث.
وبما أن المرأة رحم المجتمع فإن هذا الأخير أصبح مرآة لها. وهكذا انعكست معاناتهن على محيطهن (ضرب وتهميش وإهانة وحرمان من الحقوق) فلم يعدن قادرات على حمل مشعل العقيدة والاقتحام، كما لم يعدن قادرات على ضمان التوازن الأسري الذي يقوم عليه كل مجتمع سليم وواعد.
واستحق هذا المجتمع الذي يعامل نساءه بتلك الطريقة أن تأتيه صفعة القدر، فكان الاستعمار. لكن قبل ذلك لم تواجه هذه الحضارة نفسها، ولم ترَ صورتها الحقيقية في مرآة الآخر. ولذلك كانت الذهنية التواكلية تترسخ قرنا بعد قرن في أعماق النساء اللواتي استسلمن لهذا القهر والتهميش وقبلن بدور التفريخ الذي حددته لهن أمة استرجعت عداءها الأصلي للمرأة. هذا العداء الذي كانت هي بذاتها تستبطنه عند حلول سن اليأس فتصبح عدوة لدودة لجنسها.
إن ألد أعداء المرأة هي المرأة نفسها، ولا أدل على ذلك من "الحماة" التي كانت تحظى بالمكانة الشريفة الوحيدة (مكانة الأم) التي كان مجتمع الفتنة يمنحها لمثيلاتها. فاستغلت هذه الوضعية المتميزة بكيفية لئيمة. هذه الأم حولت ابنها الذكر إلى طفل خنقته بحنانها المفرط الذي كان من الواجب أن تتقاسمه مع زوجها. ومن الجهل والحرمان، إضافة إلى اعتبار الذكر كائنا مثاليا تلقي عليه الأم جميع معاناتها وتبني عليه كل آمالها في أن تتحول إلى شخص محترم، تَوَلَد وضع لا تحسد عليه الزوجة المسكينة: أصبح عليها أن تتحمل صبيانية الابن المدلل، والمزاج الحاد لحماة تترجم كراهيتها لصورتها إلى إذلال ممنهج لكُنتها.
بذلك تصبح للمؤامرة صبغة اجتماعية ويتحول الجو السائد -من قمة الهرم إلى قاعدته- ومع بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة، إلى جو يسوده التوجس المهيمن على البيوت، جو مناسب لانفجار جميع أنواع الغضب والحرمان. فإذا كانت المؤامرات النسائية المُحَاكة في القصور تتميز بنوع من النعومة المصاحبة عادة للترف، فإن لها طعما آخر شديد المرارة في أكواخ البؤس بدليل الخدمات القاتلة التي كان -وما يزال- يقدمها "الفقها" للزوجات التعيسات والتي كانت سبب وفاة العديد من الأزواج بالتسمم.
تلك كانت ثمرة انقطاعنا عن منابع الإيمان. فالمرأة ليست ذات طبيعة فاسدة أصلا، بل لم تتحول إلى امرأة خرافية ماكرة كاذبة ساحرة إلا لأنها أصبحت هملا في مجتمع ذكوري لم يتمكن من تدبير فتنته النسائية. فالمسؤولية إذن ليست مسؤوليتها بل مسؤوليتنا نحن الذين ابتعدنا جميعا عن تعاليم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن روح رسالته المحررة.
* مقتطف من كتاب " اركب معنا"، الصفحات 334 – 340 .