ع    Fr    En    Es
الصفحةالرئيسة من هي؟ اتصل بنا  
 
فكر
 مقالات
 مقتطفات
 محاضرات
 استجوابات
 قالوا
 مساهماتكم
الحدث
 الحوار الحدث
 رسالة مفتوحة
 المحاكمة
 صحافة وصحافة
محتويات
  تسجيلات
  صور
  وسائط المحاكمة
مساهماتكم
"كتاب اركب معنا –دعوة للإبحار" للأستاذة ندية ياسين
قراءة في العنوان
الدكتور خالد ناصر الدين-11-06-2006
تقديم :
من بين طقوس المرور الحاسمة التي يمر منها الكتاب، هناك طقس التسمية (إعطاء اسم للكتاب)، يتردد الكاتب في اختيار اسم من الأسماء التي تنهال عليه ، ليختار في الأخير اسما دالا وملائما، ويجهد نفسه لصياغته بدقة وإحكام، لأنه هو أول ما سيقرع السمع، ويجذب النظر، ويتنزل من الكتاب منزلة الوجه والغرة .
تصبح للعنوان تفسيرات ودلالات حين يتم ربطه بمضمون الكتاب، بحيث توجد بينهما علاقة جدلية معللة، فالعنوان هو نص واصف له، والنص هو ثورة على العنوان وتهديم وتفجير له. قد أولت الدراسات النقدية الحديثة اهتماما بالغا للعناوين، وهذا ما يؤكده نشوء مبحث علمي خاص يسمى علم العنونة "Titrologie".
انطلاقا من ذلك سأخصص هذه المقالة لمناقشة عنوان كتاب الأستاذة ندية ياسين، وتوخيا للدقة والوضوح فإنني سأعمد إلى مناقشة العنوان في صورته العربية، أي بعد ترجمته، لأنه في الحقيقة أثار انتباهي تركيبيا ودلاليا وإيحائيا، وجعلني أسجل مجموعة من الملاحظات، وأطرح جملة من الأسئلة، وأقترح ترجمة أخرى لهذا العنوان ...
وأؤكد مسبقا أن وجهة نظري تبقى خاصة بي، وأنها صواب يحتمل الخطأ، وقد تكون خطأ يحتمل الصواب، كما يقال، المهم أني سأدافع عنها قدر الإمكان، كما أنني لا ألزم بها أحدا .
1. تنويه واعتراف :
وأود أن أعترف بداية بأن ترجمة الكتاب كانت موفقة إلى حد كبير، والدليل على ذلك أنني بينما كنت أسبح في أمواج جمله وفقراته وفصوله، كنت أنسى في أحيان كثيرة أنني أمام كتاب مُتَرْجَمٍ، فالألفاظ أصيلة وواضحة ومنتقاة بشكل دقيق ومناسب،والجمل مصوغة بنَفَسٍِ عربي أصيل بحيث لا تكاد تجد عليها أثرا للغة أجنبية ...
ومن باب الاعتراف لأصحاب الفضل بالفضل، ولا أزكي على الله أحدا، أقول بأن الأساتذة الذين قاموا بترجمة الكتاب يستحقون كل تقدير وكل تنويه، فجازاهم الله عن هذا العمل القيم خير الجزاء، وجعله الله في ميزان حسناتهم يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ...
2. عنوان الكتاب وصعوبات الترجمة :
" اركب معنا ... دعوة إلى الإبحار " هذه هي الترجمة التي ارتضاها الأساتذة الذين ترجموا الكتاب للعنوان الفرنسي :"Toutes voiles dehors" ، والأكيد أن هذه الترجمة كانت صعبة ومحيرة في الوقت نفسه، والدليل على ذلك أن العنوان نفسه ترجم _كما يتضح من خلال المقدمة_ بعبارة : " فلتشرع الأشرعة "، مما يؤكد الاضطراب الذي اعترى عملية الترجمة هذه، وهو اضطراب منطقي ومشروع جدا لأن عمل المترجم لا يرتبط بمكونات اللغة من حروف وألفاظ وجمل، وإنما يندرج كذلك في إطار التواصل الذي يشمل بالإضافة إلى المعرفة اللسانية المعارف المتعلقة بالمقام والثقافة والدلالة غير اللسانية .
" اركب معنا ... دعوة إلى الإبحار " / أم " فلتشرع الأشرعة " ... أي العبارتين أحق بأن توضع في مقابل الأصل الفرنسي ؟
أي العبارتين تستحق أن تحتل صدارة الكتاب، وأن تكون بمثابة قلادة له؟ هل تدلان معا على نفس ما تدل عليه العبارة الفرنسية؟ ما حدود العلاقة بينهما معا باعتبارهما اقتراحين طرحا يزاحم أحدهما الآخر ؟
لماذا تم الحسم في أن العبارة الأولى أنسب وأدق وتم إثباتها عنوانا رسميا للترجمة العربية، بينما تم الاكتفاء بإدراج العبارة الأخرى بشكل محتشم بين ثنايا عبارات المقدمة فقط؟
ألا يقوم هذا دليلا على أن العنوان الفرنسي مازال يبحث لنفسه عن عبارة عربية حاسمة وجامعة مانعة ومناسبة أكثر؟
3. المقدمة وهاجس العنوان :
صحيح أن الكاتب يعيش لحظات مخاض عسيرة قبل أن يحسم في أمر العنوان الذي يختاره لكتابه، غير أنه لا يكون ملزما بتقديم مبرارت اختياره هذا مهما كان العنوان الذي اختاره أخيرا غريبا أو مثيرا، وليس من حق القارئ أن يطالبه بذلك، وإن من حقه أن يقرأه ويؤوله كما يشاء، ومن حقه أيضا أن يرفضه أو يؤيده ما دام قادرا على تقديم حجج وأدلة يدافع بها عن وجهة نظره، ومع ذلك فقد أحست المؤلفة بأن العنوان الذي اختارته لمصنفها هذا مثير فعلا، ولذلك فقد عمدت في المقدمة إلى تبرير اختيارها هذا، تقول:"اركب معنا... دعوة إلى الإبحار.
لم هذا العنوان؟
تحريض للذات على اقتحام لُجج بحر متلاطم الأمواج .
اركب معنا ... دعوة إلى الإبحار
لم هذا العنوان ؟
دعوة إلى الإبحار نحو الصدق، ونحو الصرامة أيضا. دعوة ساذجة في زمن تستميت وسائل إعلامه لتحول كل مبحر مستكشف إلى كائن دموي مسعور ." (1)
وتستمر في استعراض مبررات اختيارها، معلنة بوضوح وصراحة مرجعيتها الإسلامية، ومؤكدة أن هدفها الأساس من هذا الكتاب هو "تحطيم العوائق التي تقوم حاجزا بين الإنسان وبين حقه في معرفة سر وجوده بمعرفة خالقه ." (2)
4. العنوان والإثارة :
العنوان الفرنسي الأصلي مؤسس على " مجاز بتعبير البلاغة العربية، وعلى "خرق وانزياح" بتعبير النقد الغربي الحديث، وهذا ما يجعله متفلتا، عصيا على الفهم، بحيث لا يقدم دلالاته وإيحاءاته للقارئ على طبق من ذهب كما يقال .
تعترف المؤلفة بذلك في مقدمة الكتاب، وتقول : "لست أول من يستعمل مجاز السفر ولن أكون الأخيرة، لأننا كيفما كنا وحيثما حللنا مسافرون بالفطرة. يقول نبينا محمد صلى الله عليه وسلم العليم _ بما علمه خالقنا سبحانه _ بحقيقة نفوسنا وطبعنا المترسخ : "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل."
وهي وإن وجدت نفسها مرتاحة للاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم في هذا التوظيف، إلا أنها لم تكتف بذلك ، بل عمدت إلى استحضار ملحمة أوليس التي ظلت وفية لزوجها تنتظر عودته بينما كان هو يحلق في الآفاق الرحبة، لتؤكد بأن موضوعة السفر والإبحار حاضرة بشكل قوي في كل الثقافات.
إن أكبر دليل على أن عبارة العنوان شكلت قلقا حتى بالنسبة لصاحبتها، هو أنها كررتها ثمان مرات في المقدمة ، فكانت بمثابة اللازمة تتكرر في بداية كل فقرة من فقراتها.
اركب معنا ... دعوة إلى الإبحار " : ترجمة قلقة
أول ما يثير الانتباه أن ترجمة عنوان الكتاب تمت باقتباس عبارة قرآنية مستمدة من سورة "هود"، يقول تعالى : "وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن من الكافرين" هود / 42، ومعلوم أن الأمر يتعلق في هذه الآية بقصة نوح عليه السلام، ذلك أنه تذكر "في بدء الطوفان ابنه الضال فدفعته عاطفة الأبوة أن يناديه ليركب في السفينة مع سائر أهله"(1)، ولهذا فقد صيغ فعل الأمر "اركب" موجها إلى مفرد مذكر هو ابن نوح الضال، في حين دل حرف الجر "مع" والاسم المجرور، ضمير الجمع المتكلم "نا" على الجماعة المكونة من نوح عليه السلام والمؤمنين الذين صدقوه، وآمنوا بدعوته، فكانوا من الناجين.
والواقع أن استحضار هذه الملابسات يؤكد أن اقتباس هذه العبارة القرآنية حرفيا هكذا لم يكن مناسبا في هذا المقام، لأن الصياغة الفرنسية للعنوان تدل على أن الدعوة إلى الإبحار غير موجهة لشخص واحد بعينه، كما هو الشأن بالنسبة للعبارة القرآنية، فعبارة " TouteS voiles dehors" تدل على أن الكل مدعو إلى الإبحار، والمقصود بهذا الكل "نحن": المسلمين، و"الآخرين : "الغربيين، كما تدل على ذلك بالذات معاني لفظة : " Toute " "كل، جميع وأجمعTout ; e ; tous ; toutes adj": (2) ، كما أن الكتاب يعتبر في حقيقة الأمر رحلة عامة مشتركة تسبح في فضاءات وأبحر متعددة بعضها خاص بالغرب، وبعضها خاص بالإسلام والمسلمين، وبعضها يشكل مجال اشتراك بينهما.
ويتضح من خلال قراءته أننا جميعا "مسلمين ، وغربيين " منخرطون بشكل أو بآخر في هذه الرحلة البحرية المشوقة والمثيرة، مادام يجمعنا " مركب " واحد ممثل في "الإنسانية"، ولا غرابة أن نجد المؤلفة تصرح بأنها تكتب حبا للإنسان، ورغبة ملحة في إطلاع الآخر على بعض أبعاد وملامح وخصوصيات" عالم الإنسان الحقيقي"(3) لعله يرعوي عن جاهليته وغيه وضلاله. والواقع أن ما يثير الانتباه في الصياغة العربية "اركب معنا... دعوة إلى الإبحار " هو ما تميزت به من تكرار يمكن تحاشيه والاستغناء عنه. ذلك أن الكلمتين " ركب " و " أبحر " يجمعهما في اللغة العربية فعل واحد على صيغة "أَفْعَلَ " وهو فعل : " أَبْحَرَ " ، ففي "لسان العرب" : "أبحر القوم : ركبوا البحر" (1) وفي "المنجد في اللغة والأعلام" "أبحر : ركب البحر"(2) .
وثمة تكرار تداولي _ إن صح التعبير _ ، إذ من المعلوم أن صيغة الأمر في اللغة العربية تفيد الطلب، مما يعني أن صيغة "اركب" تفيد طلبا بالركوب أو دعوة إلى الركوب، و"الطلب" و"الدعوة" يدلان على المعنى نفسه تقريبا، ففي "المنجد في اللغة والأعلام" نقرأ: "والمولدون يقولون : "طلبه إلى المبارزة" أي دعاه. "(3)، ومن ثمة لا أرى من داع لهذا التكرار الذي جعل العبارة قلقة ومنفرة إلى حد بعيد .
إذا أضفنا إلى ذلك كون هذه الصياغة العربية قد أغفلت وحدتين معجميتين رئيسيتين تكونان العبارة الفرنسية وهما " Toute " : و " dehors " اتضح لنا القصور الذي يميز هذه الترجمة، وهي في معناها المعجمي، تعني: "خارج ، ظاهر "(4) وتأسيسا على كل ذلك، فإني أقترح أن تتم ترجمة هذا العنوان على الشكل التالي: "فلنبحر جميعا إلى البعيد ..." على اعتبار أن كلمة " dehors " لا تدل في هذا السياق على معنى الخارج، أو الظاهر كما تدل على ذلك دلالاتها المعجمية، بقدر ما توحي بمعنى الإمعان في الإبحار بعيدا، بعيدا ... وهذا ما يتضح ويتأكد من خلال قراءة الكتاب الذي ينتقل بالقارئ من الفلسفة إلى الأدب، إلى التاريخ، إلى الفكر والفلسفة، إلى الحضارة، إلى لاقتصاد، إلى المسيحية، إلى الإسلام، إلى الحداثة، إلى العولمة، إلى الأناجيل إلى القرآن الكريم ... إلى الخلفاء الراشدين، إلى السياسة، إلى الفقه ...
كما ينتقل به من الماضي إلى الحاضر ثم إلى المستقبل ... بحيث يجد القارئ نفسه يبحر بعيدا بعيدا، غير أنه يشعر بأن ثمة خيطا ناظما خفيا يجمع بين كل هذه الأبحر المعرفية لتصب في نهاية المطاف في محيط واحد، هدفه إقامة تواصل ناجح وفعال بين الإسلام والغرب، بعيدا عن الأحكام العدائية المسبقة، واستشرافا لمستقبل يستطيع الإنسان الغربي خلاله أن يعرف معنى حياته، وأن يعرف سر وجوده بمعرفة خالقه .
ثمة ملاحظة أخرى أود تسجيلها وهي أن الكتاب في بنائه العام مكون من ثلاثة أقسام، القسم الأول : متاهات / القسم الثاني : صدامات عاصفة / القسم الثالث : آفاق جديدة، وقد تم اعتبار كل قسم " فصلا " ، وهذا ما لا أتفق عليه ، إذ من المفروض أن يسمى كل قسم " بابا " وليس فصلا ، على اعتبار أن كل باب مكون من فصول، وكل فصل مكون من مباحث، وفق ما هو متعارف عليه، وما هو معمول به في مختلف الأبحاث الأكاديمية وغيرها.
أقول أخيرا بأني لم أبد هذه الملاحظات إلا لأن الكتاب وترجمته العربية كانا من الجاذبية والإثارة بحيث يستحقان أكثر من دراسة وأكثر من مناقشة، ولسان الحال أفصح من لسان المقال، فقد عقدت ندوات عديدة لتدارس مضامين هذا الكتاب الذي لا يتأتى فهمه بشكل عميق إلا لمن اطلع على المصادر التي تشكل مرجعيته الأم ممثلة في كتب الجماعة المباركة بدءا ب " الإسلام بين الدعوة والدولة " وانتهاء ب " مقدمات لمستقبل الإسلام " مرورا بعشرات الكتب والمقالات التي يشكل كل منها إجابة عن سؤال ملح وقلق في بناء تصور الجماعة داخليا وخارجيا .
ومرة أخرى أقول بأن ما تفضلت باقتراحه لا يعدو أن يكون مجرد رأي خاص بي لا ألزم به أحدا، إنه رأي خاطئ يحتمل الصواب، وقد يكون صوابا يحتمل الخطأ ... بل هو بالتعبير النبوي مجرد اجتهاد شخصي، إن كان صاحبه - العبد المذنب - مصيبا فله أجران ، وإن كان مخطئا فله أجر واحد ... وكفى بذلك ثوابا ...

وصلى الله وسلم وبارك على الحبيب المصطفى ، وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه ...