ع    Fr    En    Es
الصفحةالرئيسة من هي؟ اتصل بنا  
 
فكر
 مقالات
 مقتطفات
 محاضرات
 استجوابات
 قالوا
 مساهماتكم
الحدث
 الحوار الحدث
 رسالة مفتوحة
 المحاكمة
 صحافة وصحافة
محتويات
  تسجيلات
  صور
  وسائط المحاكمة
قالوا
كيف استقبلت أثينا المنتدى الاجتماعي الأوروبي الرابع. إشكاليات تزداد حدة.
نهلة الشهال* 13- 05- 2006
لم تكن الشمس حارقة كما أمل الأوروبيون القادمون من النواحي الباردة والدائمة الغيوم. بل لفت رياح قوية أثينا هذا الأسبوع حتى اضطرت السلطات في احد الأيام إلى وقف العمل في الميناء. وفي داخل قاعات ذلك البناء الهائل الذي احتضن المنتدى، وهو في الأصل مبنى المطار القديم، كانت عواصف لا تقل عنفا تندلع أحيانا. القوى اليونانية التي شكلت اللجنة التحضيرية للحدث بقيت متناحرة حتى اللحظة الأخيرة. لم يحل ذلك دون استمرار العمل ودون التوصل إلى انعقاد المنتدى الرابع، وإنما جرى تدبير الخلاف المستمر بطريقة حضور ممثلين عن الكتل معا في كل المناسبات الرئيسية، كالافتتاح والاختتام والمؤتمر الصحفي، وكذلك اجتماعات اللجنة التحضيرية للجمعية العامة التي تعلن البيان الختامي وأجندة التحركات، فكان يتكلم ممثل واحد من الاتجاهات ثم يليه الآخر، وبعد ذلك ينتقل الميكروفون إلى ممثلي سائر الهيئات الأوروبية، وكان من تكلم هذه المرة أولا ينتقل إلى المرتبة الثانية في المرة التي تلي وهكذا، في نظام محكم من تقاسم الظهور، لعله ذو مغزى وأهمية بنظر أصحابه، إلا انه كان مدعاة تسلية للقلة التي تعرف وموضع جهل تام من أغلبية الحضور الساحقة. ورغم الاتفاق على هذه الآلية في إدارة الخلاف، ورغم النجاح في استيعاب تيار من اليسار المتطرف يسمي نفسه "المعسكر المعادي للإمبريالية"، شارك للمرة الأولى داخل إطار المنتدى عوضا عن إقامة "منتدى بديل" على مقربة من الأول وفي الوقت نفسه، كما كان يفعل سابقا، ومنح هو الآخر حصة من تقاسم الحضور ذاك، فقد بقي الحزب الشيوعي اليوناني الهائل النفوذ والامتداد خارج المشاركة في المنتدى. يرى الحزب الشيوعي اليوناني في المنتديات الاجتماعية وفي حركة "العولمة البديلة" – وهذا اسمها الرسمي بعدما جرى بسرعة ومنذ البدايات التخلي عن تسمية "مناهضة العولمة" – ظاهرة ملتبسة رغم صخب الشعارات وتطرفها في إدانة الليبرالية، التي يفضل هو الإبقاء على وصفها كرأسمالية. رب قائل إنها المواقف الكلاسيكية للشيوعيين التقليديين، وأن اليونانيين منهم لم يتبعوا ما حدث من تبادلات على هذا الصعيد في أوروبا الغربية، وتحديدا في إيطاليا وأسبانيا وفرنسا. في ايطاليا مثلا اندثر الحزب الشيوعي التقليدي أو يكاد، وهو من كان هائل النفوذ، لمصلحة حزب شيوعي يرضى بتنوع التيارات في داخله، ومنها تيار وسطي ومنها تيار تروتسكي الهوى. واليوم انتخب رئيس "ريفونداسيون" هذه أي "إعادة التأسيس"، رئيسا للبرلمان الإيطالي، كما أن كوادر هذا التجمع ينتشرون على النقابات، بل في قياداتها، ويخوضون تجارب من العمل الميداني والقاعدي متنوعة وأحيانا متناقضة، دون خوف من الضياع !
لم تعرض تلك الخلافات في المنتدى ولم يجر في أي مرحلة من مراحل التحضير له التطرق إليها، ليس همسا وفي الكواليس، وإنما بوصفها جزءا أساسيا من مواصفات العمل الجاري إنشاؤه. وإجمالا، تفتقد ندوات وورش عمل المنتدى للنقاش في العمق حول معنى الظاهرة التي ولدت كحركة عام 1999، بعد مظاهرات سياتل في الولايات المتحدة ضد اجتماع منظمة التجارة العالمية. وبالطبع فإرهاصات ولادة الظاهرة تعود إلى سنوات قبل ذلك، وقد ساهم في بلورتها، أوروبيا على الأقل، مفكر كبييار بورديو، وأوساط كجريدة الموند الدبلوماسي وأحداث كالإضراب العام الشهير في فرنسا في أواسط التسعينات. كذلك لا يجري نقاش جاد حول وجهتها العملية وقدرتها على التدخل لتعديل توازن القوى في الصراع وليس الاكتفاء بتشكيل قطب يعلن الموقف المبدئي، مما لا شك في أهميته وفي تكوينه لمعسكر يقاوم الإطباق التام للقوى السلطوية المهيمنة، وإنما مما لم يعد يكفي في ظل توسع عدوانية تلك القوى وتسارع وتائر إجراءاتها، ليس حروبا عسكرية متعددة فحسب بل تفكيكا واعتداء على كافة المنجزات المتعلقة بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية العامة، في بلدانها نفسها، مما بات يشكل توسيعا لدائرة الفئات الاجتماعية "الفائضة عن الحاجة" والقابلة للإلقاء خارج دائرة النظام بل والحياة. ترد الحركة على ذلك فتشير إلى أثرها العملي ناسبة لنفسها حصة في إنجازات هامة كوصول الرئيس لولا وحزبه إلى السلطة في البرازيل، وبعد ذلك صلتها بظواهر كصعود شافيز وموراليس في القارة الأمريكية اللاتينية، ووصول اليسار إلى السلطة في عدد من ولايات الهند أو استعادته لها، والتغيير في أسبانيا، ومؤخرا في إيطاليا، لغير مصلحة أخلص حلفاء الرئيس بوش في البلدين. أما قياس صحة ذلك النسب فيبقى صعبا ويلجأ عادة إلى حل الصعوبة بالكلام عن التأثير والتفاعل المتبادلين !
وإنما تبقى القضية قائمة، وهي تظهر بعنف في مناسبات محددة وحول مواضيع حساسة: أي عولمة بديلة نتحدث عنها ؟ وهل هناك نموذج واحد لهذا "الغد" المنشود، صورة للتقدم والحداثة والانسانوية، تبقى في نهاية المطاف الصورة المركزية الأوروبية التي بلورتها الماركسية في مختلف مراحلها... دخلت ندية ياسين الناطقة باسم "حركة العدل والإحسان" المغربية إلى الندوة التي ستتكلم فيها وعرفت عن نفسها، وقالت من ضمن ما قالت أنها مناضلة نسوية أيضا. تعالى هرج ومرج في القاعة لأن النسويات الأخريات، وبعضهن عربيات بيولوجيا أو عالمثالثيات، لا يعقلن أن تنتمي امرأة محجبة وتمثل حركة إسلامية إليهن ! وواجه طارق رمضان، الأستاذ الجامعي والكاتب والمناضل، الذي شارك في ندوة أخرى، ردود فعل تنتمي إلى الجذر الفكري نفسه، مما يطرح كمسألة أساسية موضوعة انتماء تيارات فكرية وسياسية إسلامية إلى الحركة العامة. فهل هذا مستحيل أو مرفوض رغم وجود حركات مسيحية الطابع في صفوف الحركة، بل وفي لحظة تأسيسها؟ ولماذا يثير الإسلام هذا القدر من التوتر؟ أن تسأل الحركة نفسها سؤالا كهذا وتخوض في الإجابات المختلفة بصدده، لا يمثل فحسب علامة نضج ونقطة تحول لم يحدثا بعد، وإنما بات اليوم شرطا سياسيا لمتابعة العمل. فكيف يمكن من غيره الاستمرار في الالتزام بصدق وبلا مضمرات سيئة بالقضية الفلسطينية مثلا، في ظل وجود حماس في السلطة؟ كيف يمكن تطبيق الشعار الذي رفع بقوة في المنتدى والذي يدين أي عدوان على إيران؟ كيف يمكن التقدم في مقاربة الحالة العراقية الشائكة والمعقدة، والتي ما زالت الحركة العامة تقف خارجها رغم الضجيج الصاخب للشعارات، من دون إدراك المكانة المركزية التي يمتلكها التيار الصدري في مقاومة الاحتلال ؟ ولما لم تنعكس بصورة كافية على الحركة الإشكاليات التي أثارها المنتدى الاجتماعي العالي الوسيط الذي انعقد في كراتشي، عاصمة باكستان، منذ اشهر قليلة...

منذ اللحظة الأولى لمظاهرة الختام، التي شارك فيها ثمانون ألفا مما فاق توقعات المنظمين، برز توتر كبير عائد إلى قرار مجموعات فوضوية، كبيرة العدد وفي غاية العنف، التسلل إلى التظاهرة وضرب الشرطة انطلاقا منها، على أمل استدراج رد فعل قمعي ربما "يشعل الثورة" ! اشتبك المتظاهرون بأنفسهم مع هؤلاء وحاولوا طردهم على وقع "اخرجوا". ولما حمي الوطيس لامتلاك الجماعة قنابل المولوتوف واستخدامهم لها، بدأ بعض المتظاهرين بشتمهم ونعتهم بالفاشيين. لم يرتض ذلك معظم الكوادر واسكتوا الأصوات المنطلقة بالنعت فورا. ثم ذهب مساء مسئولو اللجنة إلى دائرة الشرطة وسعوا لإطلاق سراح الشبان الذين ارتكبوا تلك الأفعال أو لتأمين محامين لهم والتأكد من معاملتهم بطريقة جيدة، رغم عنفهم تجاه المنظمين وإطلاقهم لأقذع الصفات عليهم. قلت لصديق يوناني شارك في إدارة الأزمة، أن لهذا السلوك، الذي ربما يستلهم الديمقراطية الاثينية، معادل في الفكر السياسي الإسلامي، وحكيت له واقعة الإمام علي مع الخوارج، وترجمت له "من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه". ذهل الصديق واعتبر الواقعة درسا في علم السياسة، والجملة ديالكتيك صافي، وطلب المزيد...
إذا ومن جهة أخرى، فلن تحل إشكالية مشاركة الحركات الإسلامية في الحركة المجابهة للهيمنة الليبرالية والاستعمارية الجديدة بدون عمل هذه الحركات، ومفكرين مسلمين، على استنباط "فقه" ملائم لانخراطهم ذاك، انطلاقا من تاريخهم هم ومن فكرهم.
...وبالترافق مع ذلك نتقدم خطوة جادة في الإجابة على التساؤل حول شكل الغد الذي نريد، وهل ثمة عولمة - واحدة - بديلة، نموذج مدعو للهيمنة أم مقاييس أساسية عامة مشتركة وتنوع لا متناه. هذا أيضا ليس ترفا ولا مثاليات بل جزء من الصراع الدائر.
----------------------------------------
* أستاذة الاجتماع السياسي في جامعة باريس - رئيسة جمعية الباحثات العربيات في فرنسا- عضو الحملة المدنية الدولية لحماية الشعب الفلسطيني CCIPPP.