ع    Fr    En    Es
الصفحةالرئيسة من هي؟ اتصل بنا  
 
فكر
 مقالات
 مقتطفات
 محاضرات
 استجوابات
 قالوا
 مساهماتكم
الحدث
 الحوار الحدث
 رسالة مفتوحة
 المحاكمة
 صحافة وصحافة
محتويات
  تسجيلات
  صور
  وسائط المحاكمة
مقتطفات
إيقاظ الذاكرة *
ندية ياسين، 21-04-2006
في سعينا نحو إدراك صفاء الرسالة لابد أن نستحضر الواقع المر للبلدان الإسلامية. فعادة ما يتم اختزال هذا الانحطاط في كلمة بسيطة هي "التواكل"، ولا يتردد الملاحظون المتحاملون حينما يتساءلون عن ذلك في إلقاء اللوم على الإسلام: "ذلك شأنهم, فدينهم هو الذي يجعلهم خاملين انتظاريين". لكن الواقع ليس بالبساطة التي تضفيها عليه الأحكام الجاهزة.
كما أن الواقع ليس أيضا بالبساطة التي يرسمها له تيار فكري إسلامي يرمي بكل عيوبنا على الغرب الذي يستعمرنا ويحاربنا ونجعل انحطاطنا نابعا من إرادة الآخر فقط.
فرغم أن أزماتنا الداخلية الحالية مرتبطة بانهزامنا أمام الغرب المنتصر القوي الذي يتغلغل في أعماق أعماقنا، ويمثل النموذج المثالي بالنسبة لنُخَبنا المصنوعة على عينه لضمان استمراريته في ديارنا، إلا أن ذلك لا ينفي العامل الذاتي المرتبط بتاريخنا الداخلي.
لم يختف الاستعمار من بلداننا بل لا تزال آثاره تتناسل وتتفاقم. فنحن لا نزال نعيش نتائج حدث تاريخي لا يمكن تجاوزه بسهولة، لأن الصفحات التاريخية لا تطوى بسرعة إلا في الكتب المدرسية، ولأن البلدان المستقلة التي تبدو حرة في تقرير مصيرها لم تعزم بعد على قطع الحبل السري الذي يربطها بمستعمرها السابق، وهو بدوره غير مستعد للتخلي عنها بسهولة.
وهذا الحبل السري ترعاه نخبة وفية للماضي القريب تُمَكن سيد الأمس من العودة السريعة بعد الرحيل المؤقت، وتمد قنوات الري بثقافة الجنس "المتحضر". وهي اليوم زائدة مريضة تجعل العلة تنخر في جسد تعطلت وظائفه الحيوية.
لا معنى إذن لأن نلصق كل عللنا بالغرب ونحن نعيش في عصر العولمة الكاسحة التي تجذب كل شيء نحو الدوامة الجهنمية. فمهما بدت لفظة "القرية العالمية" ساحرة وإنسانية إلا أن حقيقتها بعيدة كل البعد عما توحي به. لذلك لن يزيدنا إلقاء اللوم على الآخرين إلا إحباطا ويأسا.
لابد إذن أن نستطلع تاريخنا ونتفحص أزماتنا الداخلية، حتى ندرك أن الهيمنة التي خضع لها العالم الإسلامي مردها إلى ظروف متعددة، أهمها انحطاط المسلمين وليس القوة الخارقة للحضارة الأخرى. لابد من نقد ذاتي يحطم الأساطير المتجذرة في الذاكرات المُعْرضة عن ذاتها، ويتأمل التاريخ بعين موضوعية تهز العقول المخدَّرة وتتجاوز الحنين المَرَضي لتبلغ النبع الصافي الذي كان يمد المسلمين بروح المبادرة والتغيير.
الفهم وحده سيمكننا من الخروج من الأنقاض، ومن تقديم رسالة الإسلام إلى القلوب المقروحة المعذبة.
الرحمة المنبعثة من الرسالة يمكن في النهاية أن تقف سدا في وجه هذه الريح العاتية التي تجتاح عالمنا الذاهل عن كل شيء، حتى عن الإنسان، والتي قد توقف الدوامة التي ترمي بنا إلى المجهول. حينئذ سنضبط كياننا على توقيت التسامح والمحبة والرشد، ونسير بالسرعة المناسبة في الاتجاه المحمود.
قبل ذلك ستبقى الطريق التي تقود إلى هذا العالم مجهولة مادام الداعون إليها يدورون في متاهاتهم السياسية والإيديولوجية والاقتصادية، وينتقلون من تناقضات إلى استقالات ليكونوا بذلك أسوء ممثلين لهذه الرسالة الرشيدة. فأي رجل سيقبل الانتماء إلى عقيدة يمثلها أمراء النفط إلا إذا كان مخبولا أو باحثا عن الغرابة الشهوانية؟ وأية امرأة لها أدنى معرفة بالإسلام لن تفزع من الممارسة التي يدعي طالبان أنهم يمثلون بها الدين؟
لقد أسهبنا في الفصل المخصص لوسائل الإعلام في وصف الصورة المشوهة التي ترسمها للإسلام، لكن ذلك لا يمنعنا من الاعتقاد بأن أمة عاجزة عن الدفاع عن نفسها وعن صورتها تستحق ما يجري لها. لذلك لابد أن ننظر إلى واقعنا من أعالي التاريخ حتى نتمكن من فهمه جيدا.
* مقتطف من كتاب " اركب معنا "- الفصل الثالث: "آفاق جديدة" فقرة:"ماض غير بسيط" من ص281 إلى283