|
| خالد العسري، 13 مارس 2006. |
|
|
|
|
| بين خيارين: |
|
| هذا شهر مارس على موعد مع الحلقة الثانية من محاكمة ذ. ندية ياسين بتهم "المس بالمقدسات"، وهي تهمة أصبحت شائعة في محاكم "العهد الجديد" الذي لا يجد من وسيلة للحد من فورتها إلا بالتوسل بأحكام قضاته من أجل إلحاق أقسى وأقصى العقوبات بالمتهمين عسى أن يكونوا عبرة لغيرهم، لكن مأساة النظام السياسي تتبدى له وهو يلحظ أن الماسين بمقدساته يكثرون ولا يقلون، يزيدون ولا ينقصون! فإذا بمحاكمه تضعه أمام خيارين أحلاهما مر عليه: إما أن يؤمن بأن حرية التعبير والرأي حق مكفول للجميع، وأن النقاشات العلمية والطروحات النظرية يجب أن تجري تحت أعين الناس بعيدا عن دهاليز المحاكم، أو يقترح على المغاربة مستقبل العودة إلى سنوات الرصاص. |
|
| أي خيار يتبناه النظام السياسي اليوم؟ ربما كان علينا أن نسأل عنه المتهمين في هذه القضايا: أبو بكر الجامعي، وعلي عمار، وعلي المرابط، ونورالدين مفتاح، ومرية مكريم، ورضا بنشمسي، وعبد الرحيم أريري، وعلي أنوزلا، وتوفيق بوعشرين، وعبد العزيز كوكاس، ومحمد العبادي، وندية ياسين ... ونتخوف أن إجاباتهم لن تزيد إلا من حنق السلطة عليهم. |
|
| إن على النظام السياسي أن يحسم اختياراته بين الانتصار لمقولات انطلاقته: العهد الجديد، والمفهوم الجديد للسلطة، وبناء دولة الحق والقانون... والشعار الذي أصبح اليوم جامعا لتصوراته: إعادة هيبة الدولة."إعادة هيبة الدولة" أصبحت الكلمة المفتاح في دهاليز السلطة، والنغمة الأساس التي عليها يتم ضبط إيقاع حركية مؤسساتها وإداراتها. وتحت مفهومها ومنطوقها تصدر الأحكام القضائية ضد الماسين بالدولة ورموزها. لكن متى كانت هناك هيبة للدولة ليتم استرجاعها؟ هل في عهد الملك الراحل؟ إذن لماذا يحاكم النظام السياسي اليوم تلك المرحلة، ويتم نبش الأرض ليقف المغاربة على مآسيهم وهم يرون عبر شاشات التلفزة الرسمية رفات المواطنين الأبرياء تستخرج من مقابر جماعية وكأننا في سراييفو! ثم لماذا يطوف رئيس "هيأة الإنصاف والمصالحة" العواصم الغربية ليعرض عليهم مآسي تلك الحقبة وكيف تصالح الدولة مواطنيها بإعادة قراءة ذلك التاريخ وتعويض المتضررين بينما في نفس الحين تمرغ المحاكمات السياسية وجه المغرب في الوحل وهي تتابع حملة القلم والأفكار! |
|
| ليس المغاربة أصحاب ذاكرة مخرومة، والجميع يعلم أن قبضة الملك الراحل تراخت في السنوات الأخيرة من حكمه، فالصحافة المستقلة عرفت ولادتها في عهده، ومخيمات العدل والإحسان كانت طبيعية فيه، واعتصامات المعطلين كانت مشهدا مألوفا للناس، وفكرة التناوب عرفت الولادة والتجسيد في ذلك الإبان... فهل يكون السقف السياسي للنظام السياسي الحالي أدنى من سقف مرحلة تنعت بسنوات الجمر والرصاص؟ وهذه المحاكمات اللامتناهية للرأي ما حدودها وإلى أين ستقف؟ وهل كتب على المغاربة أن لا يخرجوا من النفق المظلم، أم يقنعوا أنفسهم بأن النعمة العظمى أنهم ما زالوا أحياء، وأن عليهم أن لا يثيروا السلطة حتى لا تتمخزن عليهم وتعيد كتابة تاريخهم بدمائهم؟ هل علينا دوما أن تحكمنا معادلة: أن نكون مع المخزن أو لا نكون! |
|
|
| من يعزل من ؟ |
|
| هل يسعى النظام السياسي اليوم أن يجعل من حربه ضد الأقلام والأفكار الحرة حربا مقدسة؟ إنه يكفي أن يوصم المرء بتهمة "المس بالمقدسات" ليستشعر المرء فداحة الأمر الموجب أن يصطف الجميع ضده. لكن القداسة عند النظام السياسي عباءة قد تطال أتفه الأشياء وتنزع عن أعظمها، ألم يتابع الصحفي علي المرابط بسبب "الحجر المقدس" للقصور الملكية؟ وفي المقابل، ألم يتابع محمد العبادي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان بسبب استشهاده بحديث نبوي شريف؟ |
|
| ثم إن النظام السياسي يسعى أن يخوض حربه بنوع من الإجماع، وهو لا يجد أدنى صعوبة لتمرير قوانينه عبر مجالسه التشريعية، ولكنه يسعى أيضا إلى احتواء أصوات وجمعيات "مستقلة" ترفع مطالبه وتجعلها أولويات في برامجها، ولا ننسى أن نبارك في هذه المقالة تحول عريضة "نداء المواطنة" إلى جمعية من أجل الدفاع عن الثوابت المغربية، وننتظر أن نعلم كم عدد الموقعين على عريضتها التي تفضل الإعلام الرسمي بمساندتها والتي جاءت بعد الحوار الزلزال لندية ياسين ! ثم من منا فاتته متابعة الوقفة الكاريكاتورية الاحتجاجية التي دعت إليها ؟؟؟ للتنديد برسومات لوجورنال الخيالية الماسة بالرسول صلى الله عليه وسلم! إن الوقفة كانت مثار الإشفاق والاشمئزاز في الحين ذاته، كما سارعت جل الهيئات وأولها الإسلاميون للتبرؤ منها، ثم إن الديمقراطيين – ورغم لائكيتهم – لا يجدون غضاضة في الانتصار لحرية ندية ياسين في التعبير عن رؤاها بكل حرية، بل هي "سيدة بدون عقد استطاعت أن تقول بأن النظام الملكي المغربي ليس ديمقراطيا، وأنه ضعيف لكي يستطيع الاستمرار" . مأزق عميق تعيشه النخبة الحاكمة وهي ترى إجماع الضحايا والأحرار للتنديد بجلادهم رغم اختلافاتهم الإيديولوجية العميقة! فمن يتحدث اليوم عن عزلة العدل والإحسان؟ |
|
| إنه مأزق عميق أن يجد النظام السياسي نفسه مهددا في شرعيتيه: الديمقراطية والدينية. وإلا فإنه قد ثبت أنه لا يمثل الحداثة في رأي الإعلاميين الذين لا يمكن اتهماهم "بالظلامية الدينية"، كما أن إسلاميته عليها ملاحظات عدة حتى من المنتصرين لطروحاته. من يعزل اليوم من؟ من يريد الانقلاب على من؟ |
|
|
| في انتظار الإصلاح اللامخزني: |
|
| الديمقراطيون – والإسلاميون يوافقونهم في ذلك - لا يريدون رأس الملكية، ولكنهم يريدون إصلاحا ديمقراطيا يحدث انقلابا حقيقيا على "الديمقراطية الحسنية" كما عرفها المغاربة، يريدون ديمقراطية تقوم على خمس ركائز كما هو متعارف عليها عالميا: "انتخابات حرة، ومعارضة منظمة وحرة، وتناوب حقيقي على السلطة السياسية، ونظام قضائي مستقل، ووجود صحافة حرة ومستقلة" . |
|
| فهل يمكن الحديث في مغرب اليوم عن صحافة حرة والصحفيون يتابعون في مسلسل لا تنتهي حلقاته إلا لتبدأ من جديد! أم يتبجح المغرب بنظامه القضائي الذي يطلق سراح ناهبي المال العام، ويحكم على ذوي الرأي الحر بأداء أرقام خيالية! |
|
| أم يفخر المغرب بتناوب طبقته السياسية على السلطة، لكن من تنطلي عليه اليوم هذه الحيلة؟ أليست السلطة المطلقة بيد الملك بنص الدستور، فهل يقع عليها تناوب! أما عن الحكومة فيكفي أن وزيرها الأول فوجئ بالتعيينات الملكية الأخيرة لوزراء جدد كباقي المغاربة! ثم ألا يقوم الملك ومحيطه بتعيين كل المدراء للمؤسسات العمومية بظهائر تجعلهم فوق أي محاسبة! ألا يحدد الملك اليوم أولويات السياسة المغربية دون مشاورة أحد، وعلى الجميع أن يصطف وراءه ! |
|
| أم حق للمغاربة أن يفخروا بتعدديتهم السياسية؟ إن مسار المغرب السياسي ما زال يثبت أن تعدديته حزبية وليست سياسية والفرق بينهما شاسع، وإلا فما الأسباب التي تمنع من الاعتراف بجماعة العدل والإحسان بعد الاعتراف بباقي المكونات الإسلامية؟ أم لا بد لكل حزب يعترف به أن يبتعد عن معارضة أصحاب السلطة الحقيقية ويعارض ظلها المتمثل في الحكومة! |
|
| أم أن مرحلة العهد الجديد دشنت عهد الانتخابات الحرة النزيهة، هيهات هيهات! فالكل يعلم اليوم جلسات الإملاء التي استهدف فيها طاقم وزارة الداخلية مجموعة من الأحزاب من أجل تقزيم حضورها في المشهد السياسي الرسمي. |
|
| هل على كل الفاعلين السياسيين أن يغضوا الطرف على كل هذا، ويبيعوا الوهم للمغاربة بالتصفيق لمرحلة الانتقال الديمقراطي – التي لا نعلم إلى متى ستستمر – التي يعيشونها؟ هل على الجميع أن يتغاضى عن الوضع الاجتماعي الحرج الذي يعيشه المغرب، ويصفق لمبادرة التنمية المحدودة نتائجها سلفا؟ هل على الجميع أن يصمت على النتائج الكارثية لإصلاح التعليم، لأن الميثاق الذي أطره كان من خلال لجنة عملت تحت المظلة الملكية؟ هل على الجميع أن يقر بنجاعة تدبير النظام لملف الصحراء، والكل يرى كيف تعيش أقاليمنا الصحراوية على لهيب الانتفاضات، وكيف تقطف المنظمة الانفصالية الاعتراف تلو الاعتراف من دول إفريقية وأخرى أمريكية؟ هل على الجميع أن يصمت على إقدام الشباب المغربي المعطل على الانتحار ويوهمهم أن الفرج قريب، والكل يعلم أن القانون المالي لهذه السنة لم يخصص سوى 12.000 منصب شغل؟ هل على الجميع أن يصمت على الزيادات المهولة التي اقتربت أن تشمل كل القطاعات، ويكفي تبريرها بارتفاع أثمان الطاقة في السوق العالمي؟ هل وهل... |
|
| "إن الأنظمة التي لا يمكن أن تعطي استراتيجية اقتصادية واجتماعية لا يمكنها إلا أن تواجه الإفلاس، فإما الإصلاح وإما الزوال، وأنا مع الإصلاح" هذا تعبير ندية ياسين التي لا تجد في نفسها الخوف من أن تقول ما تفكر فيه بشكل واضح لا نفاق فيه، تضع يدها على الجرح وتدعو إلى الإصلاح قبل أن يفوت الأوان، فهل تستحق صراحتها المتابعة؟ أم أن التربية المخزنية جعلت من قول الحقيقة تطاولا على المقدسات؟ " وهذا هو الذي يؤلمني كثيرا، هو أن النخبة مليئة بالخوف.. لاحظت أن مقاطع كبيرة من النخبة تمخزنت" ، وندية ياسين وغيرها من الأحرار ليست من هذه النخبة. |
|
| 1- في بيان كتبه مجموعة من الفضلاء من بينهم خالد الجامعي وعبد الرحيم برادة وعبد الرحيم الجامعي وخديجة المنبهي... ضد موجة "القداسة" المستمرة في مغرب اليوم، ينظر نص البيان في: Le journal hebdo n-242. 11-17/02/062- Ignacio Ramonet:"Démocraties sur mesure"- Le monde diplomatique, n624, mars2006 |
|
|