|
| ذ خالد العسري، 08/07/2005 |
|
|
|
|
| مغالطة "إنسان القش" |
|
| تُعرف مغالطة "إنسان القش" عند أهل المنطق أن الخصم يحرف الأدلة المتوفرة أمامه عن موضعها، بحيث لا يستبقي إلا فرضية ظاهرٌ بوارها، سهلٌ إبطالها، ثم يتفنن في نسفها، فيكون عندها كمن صنع إنسانا من قش ليبارزه عوض منازلة إنسان من لحم ودم. |
|
| مناسبة هذا القول ما ذهب إلى تقريره المنبر المحترم –لا نعده خصما- "الجريدة الأخرى" في قضية محاكمة ذ. ندية ياسين حول استجوابها الذي انتصرت فيه لاختيار الجمهورية على الملكية، بعنوان عريض على غلاف العدد 21 بأن "سفير أمريكا وراء إغلاق ملف ندية ياسين"، وعلى صفحات العدد تم استبعاد كل الفرضيات التي من خلالها يمكن تفسير قرار المحكمة المباغت بتأجيل النظر في القضية إلى أجل غير مسمى، لاستبقاء فرضية غدت يقينا عند أصحابها تمثلت في أن صاحب القرار الوحيد في القضية كان هو طوماس رايلي سفير أمريكا في الرباط، وقراره كان لصالح ندية ياسين وجماعة العدل والإحسان. إن كل ذلك يوحي أن هناك علاقة خاصة للجماعة بالقوة الكبرى في العالم، وأنها تستنصر بها على خصومها لِلَي أذرعهم، وأن هذا التدخل الأجنبي إن فتحت بابه جماعة العدل والإحسان فهو مرفوض لا سيما تجاه دولة لا يحتفظ لها المخيال الجماعي للعرب والمسلمين إلا بما هو أفظع وأبشع وأقذع. |
|
| بعد تثبيت هذه الفرضية وتصييرها قناعة لا يمكن دحضها، انتُقل إلى البحث عن أنجع السبل لإدانتها، وليس هناك من إدانة أقوى من تلك التي تنال الإجماع حولها، ولا إجماع إلا بالانتصار على المدان بمقربيه، ليكونوا أول من يشجبون فعله، وينكرون عمله. وهو التكتيك الذي اتبع لإدانة جماعة العدل والإحسان المتهمة باستنجادها برأس الاستكبار العالمي أمريكا، حيث تم "استدراج" الناطقين باسم باقي القوى الإسلامية لإدانة فَعلة "العدل والإحسان"، وهكذا ندد سعد الدين العثماني –الأمين العام لحزب العدالة والتنمية- بالتدخل الأجنبي في القضية، مؤكدا "أن القوى التواقة للتغيير في المغرب يجب أن تعتمد على نفسها، باعتماد الحوار والضغوط لتحقيق هذه الإصلاحات بدل الاحتماء بالأجنبي"، وبنفس الحدة وبوضوح أكثر كان تدخل مصطفى المعتصم –الأمين العام لحزب البديل الحضاري الذي نبارك ولادته- "فبالنسبة للتدخل الأمريكي في قضية ندية ياسين، فإنه لحد الآن ليس في علمي، رغم أنني لا أستبعد ذلك، وإذا كان ذلك قد حصل فإن في ذلك إشكالا كبيرا (...) وإذا كانت الولايات المتحدة قد تدخلت فعلا في قضية ندية ياسين، فإن ذلك سيكون تدخلا سافرا في شؤون المغرب، فندية ياسين صرحت بما آمنت به، والمسئولون في البلد عندما أحسوا أن تصريحها فيه تجاوزات قانونية قادوها إلى المحكمة، التي أجلت الجلسة دون أن تحدد لها أي اجل، أنا أعتقد أن هذا من صلب العملية الديمقراطية !!" (علامات التعجب من عندنا)، في حين كان تدخل محمد ساسي –الناطق باسم الحركة من أجل الأمة- لا يخرج عن الإطار المبدئي في اعتبار "أن الإصلاح شأن مغربي داخلي، ولا تلتقي مع الأجندة الأمريكية، وأي تدخل في شؤوننا الداخلية نرفضه. نحن مع الحوار لكن نرفض التدخل في شؤوننا". . |
|
|
| مغالطة "المرافعة الخاصة" |
|
| ترتكز مغالطة "المرافعة الخاصة" على إيراد الوقائع التي تسند فرضية ما مع الصمت عن الوقائع التي لا تسندها. وهو الأمر الذي استتبع لإنجاز الملف وتثبيت مسألة تدخل السفارة الأمريكية في محاكمة ذ. ندية ياسين، من خلال إدراج وقائع الزيارة التي قام بها السفير الأمريكي "في الساعة السادسة والنصف من مساء يوم الاثنين 27 يونيو الماضي... إلى وزارة العدل"، وعلى الإيحاء – من خلال مصادر غير مذكورة- أن محور النقاش كان حول الضغط على الوزارة لسحب ملف القضية! ومن خلال واقعة هذه الزيارة تم استخلاص أن جماعة العدل والإحسان تربطها علاقة خاصة بأمريكا. |
|
| من الملاحظ أن التهمة لا تستند على سلسلةِ أدلةٍ قوية، بقدر ما هي فرضية تقوم على واقعة واحتمال: واقعة أن السفير الأمريكي زار وزارة العدل يوما قبل المحاكمة، واحتمال أن محور النقاش بينه وبين وزير العدل ربما كان قضية ندية ياسين. |
|
| من المعلوم أن ما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال، وبالتالي فإن اتهام جماعة معروفة بمواقفها تجاه الاستكبار الأمريكي بأنها ستغدو مخلبا لها لمجرد ظنيات يعد سوء نية مبيتة، ولو جاء الاتهام من غير هذا المنبر المحترم لذهب الظن بنا أنه بحث عن تشكيل إجماع ثان مضاد لجماعة العدل والإحسان يكون عنوانه هذه المرة : من مع التدخل الأمريكي في قضايانا الوطنية؟، بعد أن كان شعار "الإجماع الأول": من مع الملك والملكية؟. |
|
| لقد أحدث استجواب ندية ياسين ضجة كبرى أيقظت الراقد، وحركت القاعد، وكان الجميع ينتظر صيفا سياسيا ساخنا بامتياز، تتلاحق أطواره بين نظام سياسي يريد إرجاع الهيبة إليه وجماعة تعد اليوم أقوى تنظيم معارض للحكم - وليس للحكومة- في المغرب. لكن "النهاية" الغريبة وغير المرتقبة للمحاكمة دفع كل المتتبعين إلى محاولة الفهم بطرح مجموعة من الافتراضات هي أقوى من سابقاتها، ولكن يظل الانتصار لإحداها انتصارا غير يقيني، وقبل البدء في استعراضها، لا بد من إبراز ملاحظتين: |
|
| - إن الحديث عن استقلال القضاء في المغرب يعد بمثابة التسويق للوهم، وكل من تابع أطوار المحاكمة يعي أن القرار كان يتخذ من خارج مبناها، حتى إنه كان من الغريب الإعلان عن تأجيلها من غير طلب من هيأة الدفاع مما دفع المحامي خالد السفياني إلى التعليق على قرار المحكمة على نفس صفحات عدد "الجريدة الأخرى" بأن "قرار التأجيل كان جاهزا والإخراج كان سيئا".- إن مقالة "العهد الجديد" التي يراد من خلالها الإيحاء أن المغرب انتقل طفرة من عهد الاستبداد إلى عهد الحرية فيها كثير من المزايدة، فمن خلال حضور كافة أنواع الجهاز الأمني لمنع الصحفيين وعائلة المتهمة وقياديي وأعضاء جماعة العدل والإحسان من متابعة المحاكمة العلنية (؟)، أثبت أن المخزن تستمر عقليته وإن تغير رجاله، بل من طرائف المحاكمة أنه لأول مرة يمنع حتى محامو المتهمة من ولوج قاعة المحكمة، ولعله في قابل الأيام يُسعف أهل الحداثة في اختصار المسافات والجهود والأوقات، فيتم الإعلان مسبقا عن الأحكام مباشرة عبر الأثير دون حاجة إلى محكمة ولا هم يحزنون، "وْكلها يْسمع خْبارو في دارو". |
|
|
| فرضيات في مغرب الظنيات |
|
| تقف وراء أسباب تأجيل المتابعة في حق ذ.ندية ياسين مجموعة من الفرضيات، لا يمكن إلى حدود الساعة تأكيد إحداها لأن مغربنا هو مغرب الظنيات، فالمعلومة داخله محتكرة في نخبة قد لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد، وقد يرفع أحدهم –بل هم كثر- أن المغرب دولة المؤسسات وتعددية الأحزاب وكثرة منابر الإعلام... وأنه قد صار مجتمع المعرفة أو كاد! ولو شئنا لسودنا الصفحات في أحداث عرفها المغرب ويعرفها لا يعلم أحد عنها شيئا. صحيح أن إعلامنا الرسمي لا يبخل علينا بقراءة مضامين كل برقيات التهنئة المرسلة من سلطاتنا أو المستقبلة إلى أو من الدول الصديقة، لكن الأهم أننا لا نعلم إلى اليوم بنود ما اتفق عليه في اتفاقية التبادل التجاري الحر بين المغرب وأمريكا، كما لا نعلم ضمن أي اتفاقية تبني أمريكا بعض قواعدها العسكرية داخل التراب المغربي، كما أن المغاربة مدعوون جميعا إلى الترديد بشكل ببغائي أن "الصحراء صحراؤنا" دون علم بمكونات وأطوار وتفاصيل والحلول المقترحة للنزاع، كما أن مؤسسة الجيش مؤسسة مقدسة، وحتى الفساد الذي يعشش داخل أجهزته مقدس، فلا أحد مرغوب فيه أن ينبس ببنت شفة وإلا كان مصيره مصير الجالطي والزعيم وقبلهما القبطان أديب... |
|
| بل إن الظنيات في المغرب لا تقف عند حدود حق معرفة الشعب لما يدور حوله مما يهمه من الأمور، بل في وقائع عدة يقف المتسائلون يتساءلون من يقف وراء هذه الفعلة أو تلك: من يأمر بإذاقة المعطلين الأمرين في شوارع الرباط وغيرها؟ من يعمم سياسة الزرواطة على التراب المغربي؟ من أمر بفتح ملف ذ. ندية؟ من المسؤول الذي جعل من علي سالم التامك بطلا للبوليزاريو بجواز سفر مغربي؟ من وراء المتابعات المتلاحقة التي استهدفت علي المرابط؟ من يقف وراء إقفال المحاكمات الاقتصادية التي همت الاختلاسات المالية الكبرى في عدة مؤسسات عمومية دون أن يطال أصحابها أدنى عقاب أو تسترجع أموال الشعب؟... |
|
| بل إن الظنيات في المغرب تصل إلى حدود التساؤل عن صاحب القرار في المغرب، لذا تجد صفحات الجرائد المستقلة في أعداد كثيرة منها تجتهد لمعرفة أي الرجال في محيط الملك أكثر أو أضعف وزنا، فترى الأسئلة عن أصدقاء الملك في الدراسة أيهم أكثر حظوة، هل هو عالي الهمة أو ياسين المنصوري أو منير الماجدي أو رشدي الشرايبي... ثم تتساءل عن موقع المخضرمين أمثال: أندريه أزولاي ومزيان بلفقيه وحسني بنسليمان... ودع غيري وغيرك من الراسخين في نعيم المخزن يتحدثون عن شفافية القرار في مغرب العهد الجديد وعن مسؤوليات الحكومة العتيدة المجيدة السعيدة. |
|
| نعود إلى تداعيات قرار المحكمة الذي فسر بزيارة السفير الأمريكي لوزارة العدل، وهي فرضية إن صدقناها فيجب إقامة صلاة الجنازة على النظام المغربي، إذ أن قضية ذ. ندية التي استمرت تداعياتها قرابة الشهر في الشارع السياسي المغربي، كان من المفترض أن من حرك فصول المتابعة يعي ما يفعله، فأفعال العقلاء تصان عن العبث، فإذا كان صاحب القرار إلى حدود زيارة السفير – أي يوما قبل المحاكمة- لم يحسم كيفية تصرفه في القضية، وانتظر إملاء السفير الأمريكي ليجد المخرج لها فلا داعي إذن بعد اليوم الحديث عن السيادة الوطنية، أو عن القرار الوطني المستقل، أو عن هيبة الدولة... وإنما جاز الحديث عن المغرب كملحقة أمريكية. |
|
| هناك فرضيات أخرى تطل عند التحليل الهادئ للقضية، أولاها أن ذ. ندية ياسين من خلال قرار المحكمة تم وضعها كرهينة، فهي حرة من غير حرية، إذ قد تمنع مستقبلا من السفر إلى الخارج بدعوى المتابعة القضائية، كما أن فصول المحاكمة قد يتم تحريكها في أوضاع يحس فيها النظام السياسي بالقدرة على الضغط على الجماعة من خلال تغير مزاج العم سام، أو من خلال اصطياد أخطاء ممكنة للجماعة، أو من خلال ظروف خاصة قد يحاول الاستقواء بها في المستقبل. ثاني الفرضيات أن النظام السياسي تخوف من تداعيات المحاكمة في جعل مسألة مشروعيته التاريخية محل نقاش واسع، قد تتم فيه المفاضلة بين الجمهورية والملكية، وهو نقاش لن يظل حبيس النخب المثقفة ولكن سيغدو جدلا شعبيا على اعتبار كثرة وتمدد وتنوع مشارب أعضاء جماعة العدل والإحسان في المجتمع، ثالث الفرضيات أن المعركة أبانت من أولى فصولها أنها لصالح جماعة العدل والإحسان، فقد تم تسويق صور ندية ياسين وتصريحاتها عبر كل الجرائد العالمية، ومتابعتها كانت محط اهتمام جل القنوات الفضائية، وعدت ندية ياسين مسبقا معتقلة الرأي، رابع الفرضيات أن النظام السياسي تخوف من تطورات الملف تجاه جماعة أثبتت مدى صلابة نواتها القيادية، حيث كان التضامن جماعيا مع كريمة مرشد العدل والإحسان، وقد غدا معلوما مدى حنكة الجماعة في تحريك الشارع من خلال تظاهراتها السلمية والقوية في نفس الحين، وما يزيد الطين بِلة بالنسبة للسلطة المغربية أنها تجهل الأشكال النضالية الممكن إبداعها من طرف أعضاء الجماعة، وإلا فمن كان يتوقع سابقا أن تنزل الجماعة إلى الشواطئ المغربية مع عموم الناس بعد أن حوربت مخيماتها الصيفية؟. خامس الفرضيات يتعلق بتقلبات مزاج متخذ القرار في السياسة المغربية، وهي مسألة جُربت في ملفات سابقة، منها: منع صحف ثم التراجع عن ذلك، واعتقال متهمين بالانتماء إلى الانفصاليين ثم إطلاق سراحهم بعد أن يكون الظن قد تحول يقينا كما كان الحل مع التامك، واعتقال صحفيين ثم إطلاق سراحهم بعد توالي الضغوط كما حصل مع علي المرابط ... سادس الفرضيات ما تفضل بذكره الإخوة في "الجريدة الأخرى". |
|
|
| ندية ياسين صناعة أمريكية ؟ |
|
| راجت في مجموعة من المنابر الحزبية و"المستقلة" مقولة أن ندية ياسين غيرت موقفها من الملكية بعد عودتها من أمريكا، لا يخفى أن وراء المقولة إيحاء بأن العدل والإحسان بوصلتها في يد الدركي الأمريكي، وكأن تاريخ جماعة العدل والإحسان السياسي لم يبدأ إلا بعد استضافة جامعة بركلي الأمريكية لنجلة عبد السلام ياسين! وكأنهم يجهلون أن ذ. ندية سبق لها أن انتصرت للاختيار الجمهوري على صفحات جرائد أخرى قبل ثلاث سنوات. وكأن تصور جماعة العدل والإحسان يعرف فراغات مهولة في كيفية التعامل اليوم وغدا مع القوة الأمريكية العظمى ، وهذا محض هراء، ومن قرأ كتاب مرشد العدل والإحسان "العدل: الإسلاميون والحكم" وجد الجواب الشافي، يقول في أحد فقراته [ إن اختزال التاريخ وتلخيص موقفنا في شعار "أمريكا الشيطان الأكبر" مقابل نظرتهم إلينا بعين العائذ من "دول الشر" لن يتقدم بنا خطوة في طريق تحررنا. لا بد لنا أن نعرف العدو، ولا بد أن نعرف سبب عدائه، وجذور عدائه، وتكتيك عدوانه. ونكون أغبياء إن لم نستعمل النظام العالمي والحقوقية الدولية لنكسب من خلالها بعض المعارك ] (ص 306)، يعتبرهم عدوا، لكن الحوار معهم لا مناص منه، يفرضه علينا واقع أمريكا كقوة عظمى لا يمكن إلغاؤها بمجرد رغبتنا، كما يفرضه على الولايات المتحدة اجتهادها اليوم في البحث عن بدائل إسلامية للعباءتين السوداويتين اللتين تقضان مضجعها، نقصد العباءة الشيعية وعباءة الوهابية المقاتلة. وهذه البدائل تكون عملة غير قابلة للصرف إن لم يكن التنظيم المبتغى فتح الحوار معه إسلامي الهدف، شعبي الصف، لا يلجأ إلى السلاح حين تكون نسبة الحوار ممكنة ولو بأضعف النسب. فإن كان من حوار بين الجانب الأمريكي وجماعة العدل والإحسان حاضرا أو مستقبلا فهو حوار اعتراف كلّ بالآخر، لا حوار استجداء وإملاء. |
|
| وقبل الختام فإن هذه التهمة توحي وكأننا نعيش في دولة من الدول التي صنفتها أمريكا ضمن الدول المارقة، وكأننا لا نعلم أن الولايات المتحدة حاضرة في مؤسساتنا الحكومية وتنظيماتنا الجمعوية ببرامجها ومخططاتها وأموالها ودراساتها و... هل تودون أن نحصي ونعد؟! |
|
|