| بسم الله الرحمن الرحيم لم يكن في نيتي أن أكتب هذا المدخل، لكن حدث الحادي عشر من شتنبر 2001 يضطرني إلى ذلك نظرا لوقعه الذي غير مجرى التاريخ والذي سيعدل قليلا من هذا الكتاب المتواضع. |
|
| فبعد الإنذار الذي أطلقه جورج بوش الإبن : "من لن يكون معنا، سيكون ضدنا", أجد نفسي معنية مثل جميع ساكني هذا الكوكب بتحديد موقفي من الحدث والإفصاح عن هويتي بكل وضوح، لكنني سأفعل ذلك ملتزمة بالعمق والتحليل اللذين تفرضهما مثل هذه العملية وليس استجابة لهذه الهجمة الشرسة التي تشنها الدولة التي تطلق النار عند أدنى حركة في الكون. |
|
| لست مع الولايات المتحدة ولا ضدها، بل أنا مع الحكمة والاعتدال اللذين تفتقر إليهما سياسة هذه الدولة، فرغم هامش النفعية والواقعية الذي تفرضه كل سياسة، لابد أن نعترف بأن الأمريكان تجاوزوا كل المعايير المسطرة وأصبح البرود المشروع في مجال العلاقات السياسية تجميدا لكل عاطفة إنسانية وإعلانا عن إمبريالية لم يسبق لها مثيل. إنني أتألم لمصير آلاف الضحايا الذين خلفهم انفجار مركز التجارة العالمي كما أتألم للضحايا الآخرين الذين سرعان ماأصبحوا هم المسؤولين عن الحادث بحجج مصطنعة واهية : جواز يتيم تم العثور عليه من بين الأنقاض لتنطلق البشرية كلها في حملة محمومة تبغي العثور على الجاني العربي والانتقام منه. |
|
| لايمكن للنظام الأمريكي أن يكون أذكى مما تسمح به طبيعته وجوهره، ولذلك كان دائما يحتفظ بجَانٍ تحت الطلب، وبما أن الرأي العام الأمريكي المحموم كان يطالب بهوية الوحش الذي تجرأ على ضرب العمارة الرمز، فقد سارع الأوصياء عليه باستخراج " الكتاب الأبيض " الذي كانوا يدخرونه لمثل هذا الثلاثاء الأسود، وبذلك نكون قد ضربنا عصفورين بل عصافير بحجر واحد, فنكبح جماح باكستان الذي يستعجل التحليق بأجنحة نووية ناشئة، ونروض الهند المتمردة المعتزة بقدراتها في نفس المجال، ثم ندق أوتادا - شرعية هذه المرة - في منطقة زاخرة بالخيرات والثروات. |
|
| إنني أنتمي إلى هذا العالم الإسلامي الذي تريد أمريكا أن تعاقبه وإلى حركة تُنعَت بـ " الإسلامية المتشددة"، لكنني لا أجد ذاتي في هذا الوصف الأخير، خاصة وأنني أدرك مدى البعد القاتل للكلمات في عصر الهيمنة الإعلامية. فمصطلح " إسلامي " لو كان يدل على الرجوع إلى الأصول لا يضرنا في شيء، لكنه مع الأسف مشحون بدلالات قدحية تحوله إلى مرادف للمتعصب والمتطرف. أما حين يقرن بالتشدد فإنه يصبح مطابقا للهمجية المطلقة. |
|
| كل هذه النعوت الجاهزة تنبع من رغبة عازمة على إقناع العالم بأن الإسلاميين همج قدموا من مكان ما للاستيلاء على العالم الإسلامي، ولذلك تلصق بهذه الحركات المجتمعية أقبح النعوت وتصبح مجرد حركات مشاغبة يجب القضاء على مشروعها لاسترداد المجتمع المسلم الذي يظل لوحده قادرا على لَم شعث هذه المجتمعات الممزقة، ولا عجب ! فقد أصبحت عملية التنميط الملازم للاستعمار الاقتصادي المتمثل في العولمة الكاسحة مهددة بهذه الروح الاتحادية التي تحملها الحركات الإسلامية المجددة، وأصبحت مكتسبات الاستعمار- الذي نجح في تقطيع جسد الأمة وفرض محاورين مقبولين لا تحركهم سوى مصالحهم الشخصية ومصالح أوصيائهم- في وضع حرج أمام تصاعد المد الإسلامي الموحد للشعوب. |
|
| يجتهد الجميع إذن لتصوير كل حركة إسلامية على أنها دخيلة على المسار الطبيعي للتاريخ فيتحول ماكان يمكن أن يكون عودة إلى قيم الكرامة والعدالة والحوار والتسامح الكونية إلى رد فعل لهوية لاترى ذاتها إلا من خلال علاقة تصارع مع عالم مطبوع بالعدائية الجامحة، فقد ولدت الحملة الثقافية المشنونة على العالم الإسلامي منذ قرون تصلبا لن يكون الهجوم على مركز التجارة العالمي سوى تجلٍ أولي له، وبدعمه للأنظمة المتسلطة الجبرية بعد زعزعة استقرار الشعوب المستعمرة وتفقيرها وإذلالها وتمزيق أوصالها وسلب هويتها، دفع الغرب هذا التيار التجديدي المنسجم مع ذات الأمة إلى الانحراف عن خطه الطبيعي , وباستماتته في مناهضة كل مشروع معتدل, يدفع هذا الغرب بالمسلمين إلى أحضان التطرف المعرض عن كل خطوة حوارية أو تفاوضية. |
|
| كان أول خطإ مع حسن البنا رحمه الله ، وكان الخطأ مع جبهة الإنقاذ… وستستمر معالجة المشكل بنفس الأسلوب المخطئ الخاطئ. فحركتنا مثلا ما فتئت تبرهن عن مصداقيتها باعتمادها مبدأ اللاعنف, ومع ذلك يتم وصفها دائما بالتشدد, لالشيء إلا لأنها تعارض نظاما يؤمن الراحة للجميع باستثناء " رعاياه". ورغم أن قراءتنا للإسلام لا تمت بأية صلة للقراءات الاختزالية التقزيمية، فهي لا تجد أي صدى لها لدى الآخر. فنحن متطرفون وسنظل متطرفين لأننا بكل بساطة لا نستجيب للمعايير التي يفرضها أمن الغرب وتفوقه على العالم. |
|
| كل تصور لمستقبلنا يخالف التصور الذي يأذن لنا الغرب بصياغته عبر النخب الوسيطة مرفوض، وكل وجهة غير الوجهة التي يحددها الشمال مرفوضة، وكل سياسة لا تؤمن استقرار الرأسمالية العالمية ملفوظة، ولذا ليس على الشعوب سوى الانحناء التام أمام الهيئات النقدية الدولية والالتزام الحرفي بسياسات التقويمات الهيكلية والاستراتيجيات الأخرى التي فاقتها همجية. والنتيجة المأساوية أن الغالبية الساحقة من أفراد الشعب محرومون من أبسط الحقوق الضرورية وأولها الحق في تعليم حقيقي لا يمثله النظام التعليمي الحالي الذي أثبت فاعليته في تبليد العقول وتخدير الكفاءات.وهكذا تدوسنا طاحونة البؤس القاتم وتفكك بناءنا المجتمعي الذي هدت أركانه الأنظمة المتعاقبة عليه, لتجد الأمة المسلمة نفسها في نهاية المطاف وجها لوجه مع حداثة ضارية لاتقبل بوجودها إلا على هامش عالم الرأسمالية المعولمة المتخمة.فإذا علمنا أن قيم التكافل الإسلامية هي وحدها التي تمنعنا من الانهيار التام، كيف نعجب لتقوقعنا على هذه القيم بهذا الشكل المتشدد؟ |
|
| لم يعد الإسلام في قلوب وعقول المسلمين تلك الرسالة الإيمانية المقتحمة ، لم يعد تلك الهوية الواثقة بنفسها, بل أصبح آخر معقل يحتمون به من هجمة البرابرة، أصبح آخر صخرة يلجأ إليها مجتمع متحلل رافض للآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر هو الخصم الألد. وهكذا تتظاهر الهيمنة التليدة للسياسة على الإيمان في مجتمعاتنا المسلمة مع الغطرسة الثقافية الحديثة لتدفع بأمتنا إلى أحضان تَنَطع يمكننا إذا بذلنا الجهد اللازم أن نعالجه قبل فوات الأوان.ألم يحذرنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله : " هلك المتنطعون ، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون" ؟ ألم يخبرنا أننا أمة الوسطية التي علينا أن نمثلها باستمرار؟ لكن كيف نكون وسطا في مثل هذا الظرف العصيب المشحون؟لقد حان الوقت ليقتنع عصرنا بوجوب إحداث التغيير الجذري ويبذل مافي وسعه ليصبح الإنسان قيمة محورية للوجود بدل أن يظل مجرد آلة تخدم مصالح أقلية من البشر، وبدل الخضوع لما تمليه "الواقعية السياسية" يجب الالتزام بمبادئ السياسة الحقيقية الأصيلة.هذه السياسة النبيلة هي التي تنادي بها وتعمل على إحلالها جماعة العدل والإحسان التي أنتمي إليها والتي أسسها والدي. حركة ينعتها البعض بالتشدد بينما يتهمها البعض الآخر بالتخذيل، لا لشيء إلا لأنها تدعو منذ ثلاثة عقود إلى نبذ العنف. |
|
| إن تجديد الإيمان في قلوب المسلمين عملية أكثر تعقيدا من الصورة التبسيطية التي تعرض بها، والتي نأمل أن تكون أزمة الوعي التي أحدثها يوم 11 من شتنبر أول خطوة لمراجعتها والعمل على إعادة ترتيب القراءات النابعة لحد الساعة من الفكر الأوحد. ولعل الحدث يدفع باتجاه منح العالم الإسلامي حق اختيار توازناته والحلول المناسبة لمشاكله.لقد دشن والدي قبل 30 سنة ورشا تربويا يستهدف المجتمع المغربي أولا، لكن المراقبين الغربيين لم يطلعوا سوى على نتف منه لأن المكتوبات العربية تتطلب كفاءات بدأت تنضب في الشمال، ولأن والدي لم يؤلف باللغة الفرنسية سوى كتابين آخرهما " الإسلام والحداثة". |
|
| "الإسلام والحداثة" : (1)كتاب يدعو المسلمين بدل العمل على محاربة الحداثة وتدميرها إلى تدجينها وأسلمتها حتى يتسنى تقديم رسالة الإسلام المخلصة إلى البشرية المعذبة، وقرأ الكتاب عدد كبير من الناس لم يروا فيه سوى قذف للحداثة بينما انخرط آخرون في لعبة مراهنة صبيانية حول مَنْ سيكسب المعركة من الخصمين الحتميين في نظرهم، ليطلع علينا مؤخرا جون دنيال في العدد 1926 من مجلة لونوفيل أوبسرفاتور بمقال عنوانه "الفضيحة" يعلق فيه على هجمات شتنبر قائلا: "بدل أن تُؤَسْلَم الحداثة، كان علينا أن نترقب اليوم الذي سنكون فيه ملزمين بتحديث الإسلام"(2). في هذا العدد أيضا ، تواضعت جوزيت عاليا التي ما تفتأ تؤكد أن على الإسلام وحده أن يقوم بنقده الذاتي وتركت لي في مقالها حيزا ضيقا أعبر فيه عن رأيي في أحداث 11 شتنبر، وذلك تطور كبير في موقفها. لأنها حين استقبلتها آخر مرة في بيتي حاورتني بمنطق هو أقرب إلى الاستنطاق، ولذلك أرى أن هذه بداية قد تقود يوما ما إلى حوار حقيقي.لقد أصبح هذا الحوار محتوما ولم يعد يجدي التظاهر بإنشائه بينما نحن في الواقع لانفعل شيئا سوى المزايدة على الإسلام والحداثة. فإذا كان العالم الإسلامي يشهد اقتراحات جادة لأسلمة الحداثة بدل إدانتها والإعراض عنها، فإن على الغرب أن يقتنع بأن تجديد الإسلام يشكل مكونا جوهريا لمستقبل وقيم ثلث البشرية تقريبا. كما أن عليه أن يحدد عبر السياسات التي سينتهجها طبيعة هذا الشريك الضروري في المجتمع المعولم، فإما أن تكون هذه القيم مصدرا للتسامح والانفتاح اللذين سادا تاريخ المسلمين من قبل أو تصبح أرضية تنمو فيها بذور العنف الكاسح الذي انفجر يوم 11 شتنبر. |
|
| قد لايجد هذا النداء صدى له في المستقبل القريب كما يؤشر على ذلك العرف المتأصل في نفسية الأمريكان الذين لايعني العالم الخارجي بالنسبة إليهم شيئا، والذين لا يستحيون من التعبير عن جبروتهم بكل وقاحة. ففي عدد يوليوز 2001 من لوموند ديبلوماتيك وقبل بضعة أسابيع من 11 شتنبر, برز الهذيان المحموم للسيناتور جيس هيلم الذي أعلن : " إننا نقع في المركز وعلينا أن نظل في المركز ", مضيفا بأن " على الولايات المتحدة أن تقود العالم و تحمل المشعل الخلقي والسياسي والعسكري للحق والقوة وتكون القدوة لجميع الشعوب "، وهو ما يعبر عنه شارل كروتهامر بقوله : " إن أمريكا تتخطى العالم كما يفعل العملاق (...) فمنذ أن دمرت روما قرطاجة، لم تبلغ أية قوة هذه القمم الشامخة التي بلغناها "(3). |
|
| أما جون بولطون مساعد السيد كولين باول فسيفصح عن هذا الدوار بألفاظ سياسية لا تحتمل التأويل: " لاوجود لأي قانون دولي"، إذ منذ صعود جورج بوش الإبن وهذا الاحتقار للقانون الدولي يتصاعد، حيث تدوس الإمبراطورية كل اتفاقية جادة ونافعة في المجال البيئي والعسكري والإقتصادي، لذلك يجب ألا يُنْظَر إلى ما وقع في مانهاتن باعتباره يندرج في سياق التصادم بين حضارتين عدوتين، بل في سياق سخط عام على سلوك القوة المتسلطة.وليس هذا السخط وليد الأمس القريب بل إن انفجار بركان الحقد في شتنبر الماضي لا يمثل سوى آخر فصل من مأساة تدورحلقاتها منذ زمن طويل، فرغم أن جذور الداء سياسية إلا أنها تضرب في أرضية اللاوعي الفلسفي الذي يحدد الاختيارات السوسيولوجية للعالم الغربي. ليست الولايات المتحدة سوى التجسيد السياسي لبرومثيوس المتخطي لكل الحدود المستكشف لآفاق تقنية لم يسبق لها مثيل في التاريخ، مغامرة سيئة عبر عنها عدة عقود قبل ابن لادن الكاتب والطيار الفرنسي سانت إيكسوبيري عندما عين في قاعدة عسكرية أمريكية بتونس باللفظ التالي: " صحراء بشرية رهيبة" وطرح أسئلة وجودية أصبحت اليوم أكثر راهنية من ذلك الوقت: " لكن أين تتجه الولايات المتحدة وأين نتجه نحن ؟" |
|
| الكل يريد أن يجعل من أحداث 11 من شتنبر قطيعة بين عالمين، حدثا مفاجئا غير متوقع، بينما هو في الحقيقة نتيجة منتظرة منذ زمن طويل، فإذا كان الإسلام يحتفظ بروح قتالية تدفعه إلى تحدي المستحيل، فإن شعور التبرم يعم العالم بأسره تجاه الميول التدميرية التي استبدت بالقوة العظمى، وإذا كان ابن لادن- إن كان هو المسؤول الحقيقي والوحيد- قد نفذ عمليته باسم الإسلام فإن الكثيرين سيكونون سعداء إذا عبروا عن حنقهم على هذا التجبر واحتقار الآخر. |
|
| لقد كان جورج فريدمن محقا عندما عبر عن الاستهتار الأمريكي سنة 1970 قائلا: " كلما كنت أضع قدمي على أرضهم خلال السنوات العشرين السابقة، كنت أوقن بأن مصير النوع البشري قد يتقرر في هذه البقعة بالذات، ففيها اقتحم رجال ونساء عقبات تقنية عديدة وفيها يعرضون دون تردد )غرور أم براءة أم تهور؟( إنجازاتهم ومآسيهم ومخاوفهم وعيوبهم. وهناك يتجلى التناقض الصارخ بين التقدم الاقتصادي والتخلف الخلقي ( ...)، فلا بلد في العالم تبرز عورته بمثل هذا الوضوح (...)، ولذلك لم أفكر أبدا في الاستقرار هناك، لكنني أحس دائما بالاضطراب عندما أعود إليه, يدفعني فضول عميق غير فكري فقط نحو هذا الشعب ( إن كان شعبا حقا) لأكتشف دخائله وسط هذه الأدغال التقنية التي أحاط بها نفسه وعمق جذورها وغرق في حمأتها، والتي أفقدته الكثير من لبه المادي والنفساني والتي قد يخرج منها منهزما"(4). |
|
| إنني أعلم جيدا أن أفراد الشعب الأمريكي ليسوا جميعا أغبياء، وأن عددا كبيرا منهم واعون ومتزنون, لكن الضغط الاقتصادي والسياسي الذي تمارسه بعض اللوبيات تمنعهم من تغيير صورة أمتهم، بدليل ما جاء في صحيفة لوموند يوم 19 شتنبر 2001 على لسان أحد الفنانين الأمريكيين: "يؤلمنا أن نقول ذلك، لكنني أرى أننا استحققنا ما وقع. فمدينة نيويورك تمثل هيمنة المركز الذي يملي قانونه على البلدان الأخرى فيطلب القهوة من كوستاريكا والنفط من الشرق الأوسط, حتى إذا لم نعد بحاجة إلى القهوة قلنا لهم: "اذهبوا إلى الجحيم". إن ديموقراطيتنا قائمة على كذبة كبرى ومؤسسة على استهلاك هائل للطاقة، ثم نحاول بعد ذلك أن نقنع باقي شعوب العالم بإمكانية العيش مثلنا ولو كان الأمر كذلك لَفَنيَ كوكبنا ". |
|
| يا ليت السياسيين ينصتون لصوت الحكمة ! فقبل حوالي 34 سنة كان ستانلي هوفمان يعلن نفس الشيء بأسلوب أكاديمي وبعنوان لا يحتاج لأي تعليق: "غولفير المتخبط"، فالرغبة في التسلط النابعة من حب الهيمنة ستفضي حسب رأيه إلى تحييد مبدأ الفاعلية الذي تدعيه السياسية الأمريكية والمتمثل في نظره في: " فن بلوغ أهدافنا بطريقة تخدم مصالحنا ".لقد كان من الممكن أن تَحفظ تحذيراته لو أُخذت بعين الاعتبار ماءَ وجه الولايات المتحدة وتمنع ما حدث يوم 11 من شتنبر، فهذا الفزع المرضي من التيار الإسلامي الذي ليس وليد الساعة يمكن أن يتفاقم ويتحول إلى ذعر كاسح يقضي على كل أمل في إقامة حوار هادئ معه الآن بعد أن أصبح في نظر الغرب مصمما على الجهاد بأسلوب ابن لادن.وبدل أن يستسلم الغرب للمنطق الذي تفرضه الأحداث بالقوة، ينبغي أن يعود إلى أرشيفه المحتوي على كنوز الحكمة، وبذلك يمكن توقيف هذه الآلة المجنونة المنطلقة نحو الكارثة والتي يتحكم في سيرها الشمال المتمثل بصفة خاصة في الولايات المتحدة. |
|
| إن الذين يظنون أن عالمنا قابل للتقسيم بسهولة في عهد العولمة يرتكبون خطأ فادحا في نظري، وهو ما يعبر عنه ستانلي هوفمان بالاستعارة التالية: " هذا النظام يشبه قضيبا حديديا رُبطَ به عدد من السجناء بعضهم صغار واثنان منهم عملاقان بينما يتلاعب الكثيرون منهم بمتفجرات. لكل منهم شخصيته الخاصة لكن لاأحد منهم يمكنه أن يفعل شيئا ، ولو حاول أحدهم أن يكسر القضيب فسوف يجرح كعبته وقد يفجر المركب. وهكذا رغم اختلاف الأوزان والعضلات وحجم القبضات ورغم الأحقاد القاتلة والغيرة المتفاقمة فهم يظلون مقيدين جميعا، أحياء لكن عاجزون"(5).ولا تلغي المستجدات السياسية الدولية هذه الاستعارة، فرغم أن شكل المجتمع الدولي تغير إلا أننا نظل خاضعين لهذه التبعية التي تصفها. في عالمنا المترابط أصبحت الأواصر أكثر صلابة، بحيث يستحيل في نظري أن نتخلص منها، وتبقى فرصتنا الوحيدة هي اختيار طبيعة هذه الأواصر. فإما أن تكون قيودا تنحي إرادتنا جميعا أو أن تتحول إلى علاقات متينة تحترم اختلاف هوياتنا. أما إذا أصررنا على السير في طريق الإلغاء, فسيكون هناك دائما سجين يرغب في تقمص شخصية العبد المتمرد سبارتكوس، ويغرق أصحابه وأعدائه في حمامات الدم مادام لن يخسر شيئـــــــــا. |
|
| سلا 24 أكتوبر 2001.ندية ياسين |
|
| ---------------------------------1- مطبعة الأفق، 1998.2- لونوفيل أوبسيرفاتور ، العدد 1926، من 4 إلى 10 أكتوبر 2001، ص 26، " الفضيحة".3- غوليب : أحلام الهيمنة لدى الإدارة الأمريكية.4- عظمة وحكمة جورج فريدمن ، غاليمار، 1970، ص 13.5- ستانلي هوفمان: غوليفر المقيد، دراسة حول السياسة الخارجية للولايات المتحدة, سوي ، 1971, ص 95. |
|
|