|
| الأيام العدد 195 / 05 شنبر 11 شتنبر2005 |
|
|
|
| هناك ارتباك واضح لا تخطئه العين المجردة، ويعترف به حتى من يوجدون على طرفي نقيض، هناك ارتباك حيث لم يكن مسموحا بالارتباك، ولعل أبرز صوره هو ما جرى في محاكمة ندية ياسين. إن السؤال السهل هو لماذا تم تقرير المتابعة في حقها بتهمة المس بالنظام الملكي حتى إذا مثلت أمام المحكمة قرر القاضي، عمليا، عدم متابعتها؟ هل وراء هذا حكمة لا يطالها إلا المعتكفون في محراب الحكمة؟ وإذا كان الأمر هكذا فالاعتراف بجهلنا واجب أمام مصلحة عليا ينسجها أصفياء السياسة، أما إذا كانت الحكمة هي ما ينقص هذا التخبط، فإن وجهتنا ستكون هي السماء لنقرأ اللطيف. |
|
| حادث آخر قد يبدو بسيطا ولكنه دالٌّ. استدعت جمعية حقوقية تهتم بالعالم القروي الدكتور المهدي المنجرة لإلقاء محاضرة بتطوان حول الديموقراطية والمسألة الحقوقية، وسافر دكتورنا إلى تطوان ليفاجأ بأنه ممنوع من الحديث في هذا اللقاء. وفي نفس الأسبوع، قرأ المغاربة في جريدة "لوموند" الفرنسية ملفا لـ "جون بييرتيكوا" يتحدث فيه عن خصوصيات دقيقة في الحياة الخاصة لمحمد السادس، ووَجْه المقارنة هنا هو من سمح بدخول "لوموند" كحركة فيها دليل على هامش كبير من الحرية والثقة بالنفس، ومن قرر منع المهدي المنجرة كحركة فيها الكثير من الغباء والتضايق من هوامش الحرية الضيقة وعدم الثقة بالنفس؟ |
|
| وإذا عدنا قليلا إلى الوراء، نتساءل ما الذي جعلنا نعتقل التامك، وبعد ذلك يتم العفو عنه ليبدأ في إعلان ما كان يخفيه قبل اعتقاله، ونمنعه بعد هذا من جواز سفره حتى إذا زدنا من رصيده كضحية سلمناه هذا الجواز، وهو الآن يطوف على العواصم الأوربية كسفير للبوليساريو بجواز مغربي؟ ما الذي جعلنا نستنفر أعيان الصحراء ليواجهوا الانفصاليين حتى إذا راسلوا الوزير الأول هاجمناهم بأنهم انتهازيون؟ فمن أخرجهم من سباتهم ليعانِقَهم، ومن صفعهم بعد هذا العناق؟ وما هي الحكمة في أن لا نفكر في الانتهازيين إلا عندما يحرق العلم الوطني في العيون؟ |
|
| مئات الأمثلة التي يحار العقل في إيجاد تفسير لها، إلا أن الذي لا حيرة فيه هو أن هناك أكثر من يد تتدخل في نفس الشيء، بمعنى أن هناك في أكثر من مكان كرسي واحد لشخصين، وبمعنى أدق أن مصادر السلطة مشتتة وأن هذه المصادر غالبا ما تكون متناقضة ومتخاصمة ومتضاربة ومتواجهة وزد على هذا ما شئت من مرادفات. |
|
| لقد سال مداد كثير عقب التغييرات الأخيرة التي عرفتها الإدارة الترابية، وانصب اهتمام الناس على تفسير دقائق ما جرى، ومن ذلك، هل تعيين حسن أوريد كوالٍ لمكناس ترقية أم إبعاد خصوصا أنه كان ناطقا باسم القصر الملكي؟ وهل تعيين القباج والياً على الدار البيضاء هو تخلص منه في الديوان الملكي أم تكليف لرجل ثقة بمهمة حساسة؟ |
|
| ودخل البلاط الملكي إلى السوق، وبدأنا نزن مزيان بلفقيه هل زاد أم نقص؟ ونفحص فؤاد عالي الهمة هل أصبح أعرض أم لا؟ ووضعنا النحيف رشدي الشرايبي في قلب السوق لنجيب بشكل مماثل تماما لما أسلفناه بخصوص الارتباك في معالجة القضايا الشائكة بأنه مرة أصبح أكبر من مدير للديوان الملكي ومرة بأنه مازال أصغر مادام أن مجرد هذه الصفة مازال لم يحظ بها رسميا. ولكم أن تتصوروا حجم السوق إذا عرجنا على الإدارة المركزية للداخلية وخصوصا الأقسام المكلفة بالاستعلامات والإدارة العامة للأمن الوطني مع صاحبها المدني العسكري لعنيكري، أما إذا انعطفنا نحو الجيش الملكي فهنا يصبح الجميع "سْلِطينْ في گويطِينْ"، بمعنى أننا نعين هذا الجنرال ونقيل هذا وندخل هذا إلى المر آب ونخرج ذلك إلى جنة السلطة. |
|
| هل هذه كلها توهمات أناس لم يجدوا شيئا جديّاً، أو في أحسن الحالات لم يجدوا مفاتيح لتفسير ما يجري، ويتسلون بلعبة غير موجودة إلا في مخيلاتهم؟ |
|
| لا يمكن الجزم بهذا مادام هذا الشق مرتبطاً بالشق الأول. إن المغاربة يعيشون المتناقضات في قرارات تمس مصيرهم، ولابد لهم من تفسير، وهم يعتصرون القليل من الأخبار الصحيحة ويرتبون عليها ما يدخل بصفة عامة في "دسائس القصور" وما يتدفق منها خارج القصور. |
|
| إننا لسنا إزاء قضايا أشخاص، ولكننا إزاء قضية نظام حِكَامة، وإزاء مشكل مؤسساتي، وإزاء غموض في مساحات واسعة لممارسة السلطة، وإزاء تداخلات خطيرة تسمح للجميع بالاعتقاد أنهم معتدى على صلاحياتهم واختصاصاتهم. إننا اليوم بحاجة، ليس إلى توازن السلط أو إعادة توزيعها بما يعطي للأمة حظّاً أكبر لممارسة السيادة، ولكننا في هذا الوقت المخيف في حاجة استعجالية لمجرد توضيح الاختصاصات بدءاً من العلاقات بين كتاب الدولة والوزراء، وبين الوزراء المنتدبين والوزراء، وبين الوزراء والوزير الأول، وبين الوزير الأول وما يسمى بحكومة البلاط وبين المكلفين بمهمة والمستشارين وأعضاء الديوان والكتابة الخاصة وباقي المؤسسات، وبين المؤسسات العمومية وسلطات الوصاية والبلاط، وبين ما لا نهاية له من التداخل والغموض الذي ينتج في أغلب الأحيان قرارات متناقضة مرتبكة، وفي أحيان أخرى لا ينتج شيئاً. |
|
| إن كل هذا لا يعني أن البلاد متوقفة، إنها تسير ولكن ببطء شديد، والمغرب بحاجة إلى سرعة قصوى، والكل يعبر عن رغبته فيها وعشقه لها إلا أن الآلة لا تسعف. فوضحوا رحمكم الله الغامض، وارسموا الملعب وضعوا خطوط التماس، ودعونا نشاهد مباراة بقواعد لعب مضبوطة حتى نتغلب على الارتجال والهواية في ممارسة السلطة والتدافع المجاني وبعد كل هذا نفكر في الفقر والصحراء والتشغيل والأمية. |
|
| نريد أن نفهم ولا يمكننا ذلك إلا إذا فهمتم أنتم المزاولون للسلطة، ونحن متأكدون أن جلكم يصعب عليه في كثير من الأحيان فهم ما يجري. لذلك على حملتنا الوطنية المقبلة أن تكون تحت شعار : "لنفهم جميعا" أو "الفهم للجميع" لنستبدل الواقع الذي يقول لمثلنا : "الفاهم يفهم". |
|
|