|
| ندية ياسين، 08-11-2005 |
|
|
|
| ما تقيسش بلادي! لا تؤذي بلدي ! لكن وللأسف، لقد أوذي بلدي مرة أولى يوم 16 ماي بالعنف الهمجي، وها هو يؤذى اليوم مرة أخرى في شخص مواطنينا عبد الرحيم بوعلام وعبد الكريم المحافظي ، رهائن الإرهاب والمغالطات والسياسات الدولية التي لا تقل عنفا وانتهاكا للحرمات من المختطفين .نعم ، ما تقيسش بلادي شعار سام يعبر عن عواطف نبيلة. لكن هل تكفي العواطف للتخلص من نوازع الشر التي تتحكم في العالم منذ أحداث 11 شتنبر؟ |
|
| إننا ندين بشدة ودون تردد الإرهاب أيا كان نوعه وأيا كان مصدره ودوافعه. نشجب ما حدث لمواطنينا مهما كانت خبايا هذه القضية، كما سبق وشجبنا وأدننا اختطاف واحتجاز كل الرهائن الذين يؤدون بأرواحهم ثمن سياسيات العبث التي تسود العالم.لكن رفع الشعارات والتعبير عن الإدانة بكل الأشكال، وإن كان ضروريا، فإنه لا يجب إن يحجب عنا الحاجة الملحة لاعتماد سياسية متزنة تنبني على تحليل عميق لهذه التصرفات العدوانية الطائشة وتنطلق من هم إنساني حقيقي بعيدا عن الغوغائية والمغالطات. |
|
| في إطار محاولة التحليل والفهم، نقترح عليكم مقالا للأستاذة ندية ياسين.مقال قديم جديد ،سبق وأن نشرته مجلة "ARCHIPEL" جريدة ملتقى المواطنة الأوربي في عددها 88 بتاريخ نونبر 2001، عقب أحداث 11 شتنبر المأساوية. |
|
|
| مقال "في ذهن بن لادن" |
|
|
|
| إن سبر أغوار ذهن مالكوفيتش* أيسر بكثير من فهم ما يجول في ذهن بن لادن. فقراءتي للإسلام، المتعارضة تماما مع قراءته، تشكل بالتأكيد عائقا يمنعني من فهم منطقه. غير أنه من الممكن أن نجد في مرجعيتنا المشتركة بعض العناصر التي قد تساعد على فهم رد فعله هذا. |
|
| لم ينتظر بن لادن مقال غوليب بجريدة "لوموند دبلوماتيك" لشهر يوليوز 2001 تحت عنوان "أحلام الهيمنة لدى الإدارة الأمريكية" لكي يحلم بتدمير الولايات المتحدة. ولا شك أن لحلمه هذا جذورا كما لحلم أميركا جذور، أمريكا التي -حسب المقال- تريد الهيمنة الشاملة على العالم. لا أدري أين وصل حلم بن لادن منذ 11 شتنبر لكن حلم أمريكا لم يتحقق وتحول إلى كابوس. |
|
| هل بإمكان الأمريكيين الاستمرار في التجرؤ على القول: " نحن في مركز العالم وعلينا أن نبقى فيه " أو " على الولايات المتحدة الأمريكية أن تسير العالم، حاملة المشعل الأخلاقي والسياسي والعسكري للقانون والقوة ، وعليها أن تمثل نموذجا تحتدي به الشعوب " كما قال منذ وقت قصير جيس هلمس (Jesse Helms) ، السيناتور الذي أقدم على المجاهرة بما لا يمكن للرئيس أن يُعبر عنه إلا بالأفعال؟ |
|
| هل يستطيع شارل كروتهامر (Charles Krauthammer) أن ينتشي علنيا -مرة أخرى- بالتفوق التام لبلده، ويقول وهو يضرب على صدره: "أمريكا تتخطى العالم كالعملاق الضخم )...(منذ أن حطمت روما قرطاجة، لم تبلغ أية قوة القمم التي وصلنا إليه"؟ ألا يتأسف جون بولتون (John Bolton) مساعد كولين باول(Colin Powell)، على قوله: "لا وجود للقانون الدولي"؟ ألا يشعر بوش بالذنب أمام الآلاف من الضحايا الأبرياء، ولكونه يدوس منذ ستة أشهر هذا القانون الدولي؟ أو على الأقل ألا يؤنب نفسه لكونه لم يعبأ بهذا القناع الذي ترفعه القوى العظمى لستر وحشية السياسة الواقعية حتى لا تصدم المشاعر؟ |
|
| نُسمى هذه الرغبة في التسلط -في المرجعية الإسلامية- "استكبارا". الاستكبار مصطلح سلس ودقيق المعنى، كأغلبية المصطلحات العربية، يُطلق على العجرفة بجميع أشكالها وعلى الرغبة في سحق الآخر وإذلاله، من مجرد رفع الرأس تكبرا وتبخترا إلى الإرادة الجلية في السيطرة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. ويمكن أن يكون سمة فرد أو شعب أو دولة. |
|
| إن تسمية أمريكا ب"الشيطان الأكبر" من طرف إيران ثم بن لادن تنطلق من كون مفهوم الاستكبار لصيقا بالشيطان. أبى الشيطان السجود لآدم ولُُعن لأجل ذلك، رفض الاعتراف بآدم وقبوله بنقصه الظاهري، معتقدا أنه من نوع أسمى. فكل الذين يلفون أنفسهم بغرور الكبرياء، إذن، معتقدين أنهم أسمى وأفضل من بقية الخلق، يمثلون تجسيدا لقوى الشر. |
|
| لا ينطلق إدراك المسلم لحقيقة خَلْقِه من فكرة الخطيئة الأصلية الواجب التكفير عنها، بل من مبدأ دوام المجاهدة الدائمة والمستمرة للتغلب على نزعة الاستكبار الذي يمثل الشيطان رمزا له. إن منطق الجهاد، عند المسلمين، يتمحور حول هذا المبدأ. |
|
| هنا تتوقف قدراتي على الغوص في أغوار ذهن بن لادن. |
|
| لقد أفرز الانهزام الداخلي لأمتنا الإسلامية والاعتداء الثقافي المتزايد قراءات وممارسات متباعدة إلى حد التناقض أحيانا. فالجهاد (الذي أنثته الموضة الإعلامية بشكل غريب) بمدلوله الأصلي ليس جهدا حربيا ولكنه تعبير متنوع عن مقاومة أية رغبة في التسلط والعجرفة. الجهاد يبدأ أولا بمجاهدة النفس لانتزاع كل جنوح للاستكبار. لهذا كان الصوفيون من كبار المجاهدين. |
|
| خاضت العرب حروبا نُعتت بالغزو، لكنها لم تكن في حقيقتها إلا صراعا ضد المستبدين من أجل تحرير الشعوب، التي كانت تلبي الدعوة وتعتنق راغبة إيمان الفرسان المسلمين، الذين كانوا بحق نماذج في الفضيلة والعدل، وتنخرط بسرعة في المجهود الجهادي ضد الاستبداد. وإلا كيف نفسر أن شرذمة من البدو استطاعت أن تنشر عقيدتها عبر بقاع شاسعة وفي وقت قصير جدا؟ لم يكن المسلم محاربا، وإن كانوا يحسبونه كذلك، إلا لوجوده في عصر كانت فيه النزاعات لا تحل إلا بالسيف. لم تكن مهمته الأولى في الواقع هي الحرب بل نشر الرسالة التي ائتمن عليها وتبليغها إلى كل إنسان. وما السيف إلا جزء تقني بسيط من هذا المسار المرتكز أساسا على الإقناع قبل كل شيء. قل تعالى في كتابه العزيز:"لست عليهم بمصيطر"الغاشية22 قد يأخذ الجهاد مظهرا حربيا ولكن فقط عندما يُهاجَم الإسلام مباشرة وحين يمكن احترام قواعد الحرب.فالتشريعات الإسلامية تتضمن قواعد صارمة وشروط مشددة لا تضمن حقوق الخصوم فقط بل وحقوق البيئة كذلك. |
|
| يمكن للجدليات في عالمنا الموار أن تجعل منا مرشحين للاستكبار - وهذا خطر حقيقي وجب الحذر منه - عندما نقرر محاربة الشر بالشر والوحشية بالوحشية. ليس هناك استكبار أكبر من أن ننسى أننا لسنا مكلفين بأن نكون الأكثر قوة والأكثر وحشية، وأن ننسى أن علينا أن نكون الأكثر تمثيلا وتجسيدا للرسالة التي كلفنا بها رب الرحمة، ليس فقط بإظهارها ولكن أيضا بتوضيحها بالدليل والبرهان. |
|
| وفي الختام، وبما أنهم يريدون أن يجعلوا من الأمر حربا بين بن لادن والغرب، فلنلق نظرة بسيطة كاريكاتيرية على الموضوع. |
|
| لقد كان من الممكن تفادي هذه الوضعية المتفجرة التي يعيشها العالم منذ شهر لو بقي كل طرف قريبا من روح نصوصه. لو بقي بن لادن وفيا لنصوصنا الأصلية لتذكر أن قانون الشرف للمجاهد في الإسلام يحرم عليه الاعتداء على المدنيين، والنساء، والأطفال، والرهبان، والعمال، والشجر والكثير من الأشياء الأخرى، ولأخذ العبرة من قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون في القرآن الكريم. |
|
| لما كُلف موسى بمحاورة فرعون ومفاوضته، برهن أمامه بتقديم الأدلة على صدق نبوءته بانتصاره على السحرة المتمرسين الذين لم يلبثوا أن أذعنوا للحق واعترفوا بالرسالة الربانية. ولما لم يُجْد كل هذا في شيء فاليد الإلهية هي التي بطشت بفرعون وليس سيدنا موسى، الذي كُلف فقط بجمع شعبه وبناء أمته. |
|
| من جهة أخرى، لو احترم الغرب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي هو إعلان نوايا وخطاب مسكن ليس إلا ؛ ولو انتهى عن احتكار المؤسسات الدولية وفرض حقه في النقض عليها؛ لو احترم البيئة وعدل عن اتخاذ البلدان الفقيرة مواضع للتخلص من نفاياته وعن اعتبار الشعوب غبية ؛ ولو و لو و لو إلى ما لا نهاية... لما وصلنا إلى كل هذا الحقد. |
|
| * إشارة إلى فيلم سينمائي للمخرج " سبايك جونز"spike jonze عنوانه: "Dans la peau de John Malkovich" يحكي قصة خيالية تتلخص في رحلة البطل داخل ذهن شخص يدعى جون مالكوفيتش. |
|
|